السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

بيع الأوهام

يعتمد البشر على مستقبلات حسية تساعدهم على التفاعل مع ما يحيط بهم من كائنات وجماد، فيصبحون بذلك قادرين على العيش بسلاسة والتفاعل فيما بينهم، وعندما تستقبل الحواس المؤثرات المختلفة، فإن ما تستقبله يذهب مباشرة إلى الدماغ لمعالجة هذه المعلومات وإعادة صياغتها حتى تصبح معلومات مفهومة. وقد تكون هذه المعلومات عبارة عن أصوات أو مرئيات أو أشياء ملموسة .. وميز الله الإنسان بالعقل لتحليل هذه الإشارات، وبالتالي إصدار ردود أفعال مناسبة تجاهها، ورغم هذه الميزة إلا أن بعض البشر استسلموا لبعض الحالات غير الطبيعية، وقد يكون بعضها مرضياً أو اختيارياً والتي تغير من الحقائق وقد تجملها بشكل أكبر من الطبيعي أو قد تشوهها. الوهم هو أحد هذه الحالات التي قد تتحول مع الوقت والظروف المحيطة لتصبح حالة نفسية مرضية أكثر من حالة عابرة، والوهم قد يكون عند البعض مسكناً دائماً لعجزهم، يغرقهم في راحة تامة كالتخدير ثم يجرهم إلى أعماق غيبوبة دائمة، وقد لا يتقبلوا النصيحة ويبقوا حيث هم. لا يرتفعون مع التلبس بالغلط خوفاً من أن يروا الحقيقة أو يعجزوا عن المواجهة، وهناك أوهام خرافية مثل المعتقدات الموجودة عند العرب قديماً قبل دخول الإسلام. تقول الحكاية (إن الجزيرة العربية كانت تواجه الجفاف في أكثر فصول السنة، فكان الناس يجمعون الحطب من القشر والسلع، فيربطونها في ذيل الثور ثم يسوقونه إلى الجبل، فيشعلون النار في الحطب المربوط في ذيله، ويبدأ الثور يركض ويخور وهم يرون ذلك تقليد البرق والرعد، فالبرق النار في الحطب والرعد خوار الثور .. يحرقون ثوراً لكي يأتي المطر). في الحالة السياسية قد ينطبق التعريف العلمي أو النفسي للوهم على جماعات الإسلام السياسي .. في إصدار الدكتور جمال سند السويدي «السراب» .. يفصل كثيراً في هذا الجانب، حيث إنه يتمحور حول السراب السياسي الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية للعديد من شعوب العالم العربي والإسلامي. هذه الأوهام التسويقية تنطبق تماماً على الكثير من الجماعات المتطرفة، فالأوهام التي تعيشها هذه الجماعات مقيتة، وفي الوقت نفسه شاذة ورثوها وقاموا باتباعها وبيعها، والحصول على تأييد بعض السذج للوصول لمبتغاهم الحزبي للسلطة. ولعل أقرب الأمثلة لذلك هو ما قامت به جماعة الإخوان المسلمين خلال ثورات خريف الدمار، إذ استطاعت هذه الجماعة الحصول على دعم ببيع الوهم الحزبي من دول مجاورة للوصول للسلطة في مصر وليبيا، وكانوا يريدون بيع هذا الوهم في الإمارات، ولكن كانت هُناك في الإمارات حكومة وشعب متيقظين لهذه الأوهام، ودكوا هذه الأوهام ليتلاشى هذا الوهم، وتكون مقبرتهم الأولى في الإمارات .. وسرعان ما اكتشف الناس حقيقة هذا الوهم الذي تعيشه هذه الجماعة إلى أن أدرجتها بعض الدول في لائحة المنظمات الإرهابية. وإلى الآن تعيش هذه الجماعة وغيرها من منتجي السراب على الوهم الحزبي والطائفي، وأنهم من سيقود هذه الأمة، وأنهم يمثلون الدين الصحيح وغيرهم خارج عن الملة، وقد يبلغ بهم الأمر إلى التكفير والقتل في حالة المعارضة لهم أو مخالفتهم. عقول مفرغة ومعاد تعبئتها بأهداف ووسائل وفتاوى تدعم هذه الأوهام، وتدعم وجود من يقودها، ومن يستفيد منها .. هذه العقول لن تقود أمة، ولن تصل إلى أبعد من تلك الأوهام التي شربتها وعاشت على أمل أن تجد ذلك الماء وتلك الواحة التي شكلها سراب التطرف والإرهاب.
#بلا_حدود