الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

بعض السياسة... والكلام فاضي

الإنسان كائن اجتماعي .. مبدأ تعلمناه وعرفناه منذ الصغر، بالنسبة لنا نحن المسلمين هناك قاعدة شرعية لذلك تنطلق من الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). خلقناكم أخوة .. ثم حدث الامتداد لتصبحوا شعوباً وقبائل .. ولم يترك الأمر كذلك .. لتعارفوا .. وهذا ما فطر الله عليه الإنسان فلا يمكن أن يعيش دون تقارب واختلاط مع أناس آخرين أو مجتمعات أو أفكار أخرى. في الوقت الحاضر مع تقارب المسافات وتنوع الثقافات والحضارات وتداخل المصالح وتبادل المنافع .. أصبح لزاماً أن يكون التعايش والتقارب مبدأ أساسياً لنجاح الإنسان في حياته على المستوى الشخصي أو على مستوى الدول .. قد تتوافق المصالح والأهداف الحياتية وقد تختلف، ولكن السعي وراء إثبات خطأ الآخر ومحاولة إيقافه قد تكون عقبة وحجر عثرة في طريق التقارب، وبالتالي تظهر الصراعات وتتأجج الخلافات .. لذا كان الاحترام المتبادل بين الثقافات والأديان هو أساس هذا التعايش، وهو السبيل إلى تواصل مؤثر من الممكن أن ننقل من خلاله ما نريد إيصاله إلى الآخر من فكر بسهولة وقبول. هذا إن كان الحديث عن أديان مختلفة وأفكار متباعدة .. لكن المستغرب أن يحدث الصراع مع الطرف الأقرب وداخل الدين الواحد.. إذاً هناك خطأ ما. هناك آية فسرت وقدمت الحل الأنسب .. ومن خلالها نستشف سماحة الإسلام على الأقل في تقبل الرأي والبعد عن إهانة معتقدات الآخر أو التقليل منها، فقد حذر الإسلام بشكل قاطع من سباب معتنقي الديانات الأخرى، فما بالك بمن يسب مسلماً ويكفره وينتهك خصوصية فكره .. قال تعالى (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). درس عظيم أغفله وتعامى عنه البعض ليبرزوا صورة أخرى مجتزَأة ومشوهة عن الإسلام ونقلوا دموية فكر ينتمون له وغلفوه بعباءة الدين. اليوم .. وفي أوج ما يحدث من فتنة طائفية أراد البعض أن يشعلها لعلها تكون الباب الأفضل من وجهة نظره لتفجير المنطقة بأكملها .. أستحضر بيتاً ما زال في الذاكرة لصديقي الشاعر عبدالرحمن الشمري: «من مزعل الشيعة على أهل السنة لو ما السياسة .. والكلام الفاضي» هذا البيت صور بشكل دقيق ماذا يحدث في الاتجاهين .. فالعقيدة ليست هي السبب الوحيد كما يروج البعض من المتشددين من الطرفين، ولكن لأجل أن تؤثر في عواطف الناس وتكسب القطيع لا بد من تحريك عاطفة الدين وتعمل على خلق ذلك الحاجز القوي بين الجهتين .. نعم، هو بدأ منذ مئات السنين، ولكنه الآن يتخذ المسار المناسب لمن أراد اتساع الخلاف واشتعاله بشكل دموي .. تسييس الدين هو السبب الرئيس لحدوث الكثير من الصراعات المذهبية أو الفكرية .. ولعل جماعات الإسلام السياسي بمختلف توجهاتها سواء سنية أو شيعية لم تكن لتظهر لولا وجود أهداف سياسية، إما داخلية لهذه الجماعات أو لداعمها الخارجي، تهدف إلى الوصول إلى شكل معين من الجغرافيا السياسية تضمن لها وجوداً اقتصادياً واستراتيجياً مؤثراً، ومع تكامل وتبادل المنفعة في مثل هذه التشكلات الجديدة كان لها القوة في الانتشار على امتداد التاريخ والجغرافيا. دعوات التكفير والتطرف بالفكر مستمرة .. ودعوات السلم والتقارب مستمرة .. ولو فكر البعض قليلاً لعرف أن تلك القاعدة التي أطلقها رسولنا الكريم قبل 1400 سنة «الدين المعاملة» و«الدين النصيحة»، لم ينطق فيها عن الهوى، وهو لم يقل اقتلوا واسفكوا دماء غير المسلمين. لقد فضل الله الإنسان على سائر خلقه وميزه بالعقل والاختلاف بين البشر في الشكل والفكر والمعتقد، هو أحد سنن هذه الحياة التي لن تسير بأمن وسلام إلا بالتعايش وإلغاء التصنيف والإقصاء لنعيش في حياة مشتركة تتبدل وتتنوع فيها الأدوار وتتكامل لما فيه منفعة للبشرية جمعاء.
#بلا_حدود