الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

المصنعون

أعود بالذاكرة إلى عشر سنوات مضت، في عمر الناس هذا عقد من الزمن وهي وحدة زمنية قصيرة بل تكاد لا تذكر في التاريخ، لكن في شبكة الويب أو في الإنترنت عموماً عشر سنوات تعني الكثير، تغيرت شبكة الإنترنت كثيراً منذ عرفتها، عربياً كانت المنتديات هي المواقع الأساسية لأي عربي يدخل هذا العالم، لم تكن هناك هواتف ذكية أو مواقع تواصل اجتماعية، لم يكن هناك وسيلة لتبادل الصور ومقاطع الفيديو، كل المواقع المشهورة اليوم لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وبدأت بالظهور خلال سنوات قليلة قبل عشر سنوات. لكن هذه المواقع المشهورة ليست موضوعي اليوم، في ذلك الوقت بدأت حركتان، الأولى كانت التدوين حيث بدأ في التسعينات وبدأ يزداد شهرة في أواخر القرن الماضي وانتشر التدوين كوسيلة تواصل ونشر في لغات مختلفة ومن بينها العربية، وكانت فترة بداية الألفية الجديدة وحتى عام 2010 فترة انتشار التدوين حول العالم وتنوع مواضيعه وأساليبه، التدوين كان وما زال وسيلة شخصية للنشر وللتعبير عن الآراء وحتى الآن لا يوجد بديل له كما أرى. في وقت انتشار التدوين نفسه ظهرت حركة أخرى تسمي نفسها حركة المصنعين، بدأت بمجلة ورقية وموقع إلكتروني ومدونة، القصد من كلمة المصنعين هنا هي الناس، الأفراد الذين يصنعون الأشياء بأيديهم بدلاً من شرائها، وككثير من الأشياء في الشبكة حركة المصنعين بدأت في أمريكا وانتشرت حول العالم لكنها لم تصلنا بعد وهذا الفرق بينها وبين التدوين عربياً. حركة التصنيع لها أهداف عديدة، منها تعليم الناس الاعتماد على أنفسهم لتعلم مهارات مختلفة مثل هندسة الإلكترونيات والبرمجة واستخدام أدوات كثيرة لصنع أدوات أخرى وصنع أشياء مفيدة أو مسلية، من هذه الحركة ظهرت منتجات تعليمية مختلفة لتعلم من يرغب أي مهارة يريد، وظهرت عشرات الكتب حول مجالات مختلفة، من برمجة الذكاء الاصطناعي وحتى صناعة الصابون! أسهم المصنعون في تسريع تطوير الطابعات الثلاثية الأبعاد وتخفيض أسعارها وما زالوا يفعلون ذلك، هذه الطابعات كانت موجودة منذ وقت طويل لكن أسعارها باهظة ولا يمكن لفرد شرائها وهنا جاءت مساهمة حركة التصنيع في إنشاء طابعات عديدة ورخيصة السعر وبعضها يأتي بسعر أقل من تكلفة هاتف ذكي حديث. استخدامات الطابعات الثلاثية الأبعاد كثيرة، منها طباعة غلاف للهواتف مثلاً، لكن الأمثلة التي تثير الحماس لدي هي طباعة أطراف صناعية لمن فقدها وبسعر رخيص، من فقد قدماً أو رجلاً أو يداً يمكنه الآن أن يجد وسيلة للحصول على طرف صناعي بديل والجميل أننا وصلنا لمرحلة يمكن تحويل هذه الأطراف إلى أجهزة ذكية حقاً يمكن لمستخدمها التحكم بها واستخدامها كما يستخدم أحدنا يده، مازالت في بداياتها لكني متفائل أن هذه التقنية ستتحسن وينخفض سعرها أكثر لتصل إلى شريحة أكبر من الناس. ما يهمني أكثر هو أن حركة التصنيع أساسها التعليم الذاتي والإنتاج الصغير، أي شخص يمكنه أن يتعلم ويسهم، المحتوى التعليمي متوفر مجاناً على الشبكة ولأي فرد في العالم وهناك كتب يمكن شراؤها وهناك دورات على الشبكة يمكن الانضمام لها، أما الأدوات فهي متوفرة من مصادر مختلفة ويمكن للفرد إيجادها في الأسواق المحلية لو بحث جيداً، وكل ما تبقى هو الجد والاجتهاد في التعلم وفهم كيف تعمل الأشياء. الإنتاج الصغير مهم لأن الشركات الكبيرة لا تهتم به، الشركات الكبيرة تهتم بالأرقام الكبيرة، منتج يباع منه مئة ألف نسخة تعتبره بعض الشركات منتجاً فاشلاً لأنه يفترض أن يحقق الملايين من المبيعات، في حين أن الإنتاج الصغير يمكنه أن يكتفي بأرقام أقل بكثير، فهدفه ليس تحقيق أرقام كبيرة بل الوصول لعدد لا بأس به من الناس، من بضع مئات إلى بضع آلاف، هذه أرقام لا بأس بها وإن حقق أكثر من ذلك فهذا أمر رائع، الإنتاج الصغير يمكنه أن يصنع منتجات متخصصة لا تريد الشركات الكبيرة صنعها وهذا يعني تلبية حاجات لم تجد من يلبيها، بمعنى آخر؛ فرص لا نهائية لمن يحسن استغلالها، وقد فعل هذا كثير من الناس حول العالم وأصبحت لهم شركات صغيرة ناجحة. [email protected]
#بلا_حدود