الاحد - 19 سبتمبر 2021
الاحد - 19 سبتمبر 2021

أنسنة

يقال إن الوحدة أو الحاجة في ظرف معين تدفع بك إلى «أنسنة» مكانك وزواياه ومحتواه الجامد، وغير العاقل. قبل مدة قرأت خبراً غريباً نوعاً ما، فقد عمدت امرأة هندية مُسنة إلى جمع قطط الشوارع في نيودلهي وتربيتها والاعتناء بها في بيتها. السيدة ذات الدخل المحدود والبيت المتواضع جداً، صرحت آنذاك لوسائل الإعلام، بعد عرض قصتها مع قططها في إحدى الأقنية الخاصة، بأنها حينما استشعرت وحدتها القاسية وقسوة الإنسان الذي تجسد في هجرة أبنائها للعمل في الخارج وتركها وحيدة، وفي يوم ما وأثناء خروجها من منزلها المتواضع، وجدت قطة تحتضن صغارها أسفل الشجرة بمحاذاة باب البيت. تبسمت ورق قلبها للقطة الأم وعيالها مغمضي الأعين، يلتفون حولها مدسوسين في جسدها وكأنهم أطرافها الزائدة. ومن يومها واظبت السيدة العجوز على تسخير حياتها ومدخولها بالاعتناء بتلك الكائنات اللطيفة الحنونة. مع مرور الوقت نشأت لغة وعلاقة ودية شبه مؤنسنة بين العجوز وقططها، فأضحوا وكأنهم عيالها الذين غادروها وتركوها تقلب وحدتها على مائدة الوحشة. فحينما يكتسح الصمت زوايا المكان، وتبدأ الذاكرة بالانكماش لاستحضار ومضات المساحات المورقة من محطات العمر، يصبح البحث عن تعويض أو بديل لسد ثغرة هذا الخواء، واستنباته كيفما كان، حاجة كامنة وهاجساً، لكنها تبقى جمرتها عالقة في منتصف الصدر. حينما نفتقد الحياة في الأحياء، تصبح أنسنة غير المستأنس شكلاً من أشكال مواساة الروح عما تتوق إليه وتتمناه، هنا، لا يعود لتلك العزلة الاختيارية طعم الحرمان، لا بل نجد فيها لذة الأمان والحاجات المفقودة. خارج النص «في وحدته، وحينما تتعاظم خيباته، حينما «يتصنم» الأحياء، يحدث أن يعقد الإنسان علاقة مع كل شيء حوله، يصادقها، ويحاورها وكأنه يناغي صمته، وجعه، حرمانه، فالوحدة أحياناً تجعلنا نُأنسن الأشياء الصماء وغير العاقلة .. نستنطقها أو تستنطقنا بدورها، حتى تتبدد وحشتنا، غربتنا .. وتتضاءل احتياجاتنا تماماً». [email protected]
#بلا_حدود