الاحد - 19 سبتمبر 2021
الاحد - 19 سبتمبر 2021

مشهدان ..

قطة، وإنسان .. ما الذي يربط بينهما .. الغربة في منفيين .. القطة الجميلة في بيت أختي منذ عشر سنوات أشبه بالسجين في سجن انفرادي .. لا طموح لها .. لا تتعايش في عالمها مع أبناء جنسها .. لا تحلم بالحب، ولا بالزواج، ولا بالإنجاب .. لأنها ببساطة مستقدمة للتضحية، لإسعاد أصحاب البيت، وعندما جربت أن تثور أجريت لها عملية بعدها خمد الحريق .. الشاب الذي يعمل في البناية التي أسكن فيها، لا أحسبه ينتمي إلى عالم الشباب .. في كل مساء يجالس الطاولة سارحاً في مدخل البناية، ليس بيده هاتف خلوي .. قد لا يكون عرف الإنترنت أيضاً، أحياناً أشعر أنه يستمع إلى موسيقى، وأحيانا أشعر أن تلك الموسيقى ليست إلا نزيف أعماقه .. مشهدان غريبان متقاربان يجمعهما منفى شطّ بهما عن المنبع، وأرجحهما في عالمين، بل في شتات من العوالم .. لحسن الحظ كان نصيب قطة أختي ثَريّاً بالدلال وبالحب، ولكنه تغيّر اليوم بمجيء وليد إلى البيت، فحبست القطة نفسها في الغرفة على سرير لا تغادره .. إنها تعرف المتغيرات في البيت وتتصرف بردود أفعال مختلفة نحوها .. تصيبني الدهشة من تفسيرات أختي لطباع القطة فأتساءل من الذي يقرأ الآخر أكثر؟ .. تخشى أختي من هياج القطة على الوليد، أو عليها لأن منبع الحنان قد فتر قليلاً بانشغالهم به .. أتأبط معي إلى البيت ضجيج كون مقموع .. تلك القطة التي أوقن أنها تفكر بما يفكر به السجين الانفرادي .. قد تكون تفكر بالربيع، وقلب الأوضاع رأساً على عقب، لأنها ببساطة سلبت حريتها مرتين .. أمسّي على «كاميل» العامل .. أشعر بابتسامته الودودة بحكم تقادمنا في البيت .. يرفع رأسه بثقل، وكالعادة أكرر التحية بصوت أعلى لينتشله من أحلامه، وأفكاره .. أثق أنه لا، ولم يفكر إلا بثورة يتيمة يوم فاجأني منذ فترة بلسان لم أكن بحاجة لأن أفسر حديثه، حين كان يتحدث عن الزلزال الذي أطاح بألوف من الناس في نيبال، ودمر البلاد .. دهشت، فكم كان ينبض يومها .. أراه يعود إلى شروده المعتاد .. أبتسم وأنا أصفع المصعد خلفي .. أفكر .. كم من نيران تتأجج تحت الرماد. [email protected]
#بلا_حدود