الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

أسئلة الحداثة والتطرف والفيسبوك

زاد عدد مستخدمي الإنترنت في بلد كمصر بنسبة عشرة في المئة عام 2014، وبلغ عدد مستخدميه في مصر 000200 .46 مليون مصري الآن، وهو ما يبلغ أكثر من 50 في المئة من عدد السكان، وفي السعودية كذلك يزيد عدد مستخدمي الإنترنت عن النصف، ويبلغون 17.297 مليون، وتصل نسبتهم في الإمارات العربية المتحدة إلى 93 في المئة من المقيمين فيها تقريباً، وهي نسب متقدمة عالمياً وإقليمياً. وفي اللحظة الداعشية والفتنة الكبرى مجدداً تراجع انسياح المواطن العربي في المواقع التواصلية، كفيسبوك وتويتر، بين عامي 2013 و2015 بنسبة خمسة في المئة عموماً حسب أحدث الدراسات، باستثناء مصر التي زاد فيها من 42 في المئة قبل 30 يونيو إلى 49 في المئة بعده، حسب الدراسة نفسها التي عرض لها موقع العربية الإنجليزي في 25 أبريل الماضي، لمصلحة التطبيقات الجديدة على المحمول كواتس أب وغيره. ولكن حسب مواقع دولية أخرى يزيد عدد المستخدمين العرب لفيسبوك وحده على 113 مليون عربي يستخدمون فيسبوك وحده، وهو ما يوازي نسبة 48 في المئة، بينهم 18 مليون مصري عام 2014، بينما يبلغ عدد مستخدمي تويتر مليون و200 ألف. نعود إلى السؤال مع هذه الطفرة الهائلة في مجتمع المعلومات هل يعني ذلك اتساع مجتمع المعرفة! وتحققه، أم أن ثمة فارقاً كبيراً بينهما، وأنه على الرغم من هذا الزخم المعلوماتي تضيق مساحات التعرف والمعرفة المعمقة في العالم العربي. وأود أن أشير هنا إلى بعض النقاط في هذه المسألة في مقدمتها أن انتشار المعلومات والمساحات الفردية صنع سيولة معرفية، وأثر في القراءة ومعدلاتها وفكرة الكتاب والقراءة، كما أثر أيضاً في تراجع دور النخبة التي انجذبت إلى الفضاء التواصلي كثير من عناصرها، فتشابكت مع التنظيمات اشتباكاً مباشراً، أو مع العوام وانحدروا للغتهم، ولم يعد مفهوم النخبة واقعاً فقد سقطت التخوم في المواقع التواصلية بين النخبة والعوام. ما أسهل التعليق، وما أسهل التسفيه فيه، وما أسهل الاتهام، ربما من عنوان مقال أو تقرير أو عنوان كتاب أو اسم كاتب، يسارع نشطاء الحسابات والتعليقات في تسفيه فكرة لا يفهمونها، واتهام كاتب لا يحققون مكانه أو مكانته، وربما ينجر هذا النخبوي للنزال العامي في ساحات العوام فيفقد عمقه لمصلحة سطحيتهم أو ينزلق للتسطيح إرضاء لهم. في هذا الفضاء المعلوماتي أيضاً صنعت السيولة في الأفكار غير الصلبة، وفي مقدمتها الأفكار المدنية والحداثية العربية، والأفكار الفلسفية والعلمية لم يعد متاحاً لأيديولوجيات العقل والحرية والأنوار مقاومة الإثارة والإعلان الأيديولوجي والشعبوي. فكلام عن دريدا أو نيتشه أو عن طه حسين أو مناقشة لتصور شائع خطأ لا تجذب العوام ولا تشغلهم، فهم مشغولون بالموجز المثير فينقلون الحكم وينقلون أقوال الدعاة الغالبين على الساحات. كل مساحة للنسبي والعقلي والمعرفي تضيق بسيولة الإلكترونيات التي تعطيها الحق، بينما كل مقولة حدية مقدسة سياسية أو أيديولوجية أو دينية تجد مروجيها وعناصرها الذين يحاربون الحداثة من منابر ما بعد الحداثة. هذا الشبق التعبيري وهذا الشبق الحضوري للأفراد وللعاديين ليكونوا ممثلين ومؤثرين، أعاق التفكير الحر والفردي والأنواري ومصادره وروافده، ولم يكسب منه غير التفكير والتنظيم الأصولي الذي يؤمن عناصره بأنهم يجاهدون في ساحة الإنترنت وأقاموا كياناتهم الموعودة عليها، وحكى أحد عناصر القاعدة أن قائده كان يرى ضرورة التبكير بإنزال فيديو التنظيم أو حديثه على الموقع التواصلي يوتيوب، ويمتلك الدواعش سُنة وشيعة آلاف الحسابات بلغات مختلفة، ينشرون خلالها تصريحاتهم وروابطهم وينشطون في إعادة التغريد والمشاركة والرد والتسفيه لكل منتقديهم، بينما المفكر الفرد الذي يمارس تدبير المتوحد لا يملك من هذا شيئاً في الغالب. في جانب ربما من الإيجابي أن التواصليات أسقطت الحاجز أحياناً بين النخبة والجماهير وكشفت عن كل شيء، أو أغلب الأشياء، فلا احتكار للحقيقة أو الحق، وكل معروض دائماً في مرايا النقد الشعبي والجماهيري، كما عوض هذه الجماهير عن غياب مؤسسات تعبر عن طاقاتها وتفرغ فيها نشاطاتها كالأحزاب والجمعيات والمنتديات الثقافية وغيرها، بل حتى في الجامعات فصار الطالب يتابع أستاذه على صفحته في فيسبوك أو تويتر، بينما لا يكاد يراه في الجامعة ولا يستعد الأخير لحواره، ولكن ثمة سلبيات علينا أيضاً أن ننتبه لها في أنه عربي يستخدم ضداً على الحداثة وضداً على العمق. [email protected]
#بلا_حدود