الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

الابتكار والتنمية (4)

في هذا القرن يجب أن لا يقاس الفرد بحجم المعارف والمعلومات التي يتحصل عليها، حيث هي متاحة وسهلة التحصيل؛ ولكن المهم هو ما الذي يفعله الفرد بتلك المعارف والعلوم. من أجل ذلك نحن في حاجة إلى مدارس مبدعة وآباء مبدعين، فالأسرة قادرة ومطالبة بتشجيع أبنائها على الابتكار والتفكير بشكل مختلف. وعلينا أن نبدأ البداية الصحيحة بعدم تكديس جدول الأبناء بالاستذكار وحسب، وإتاحة الوقت والمجال لهم كي يشبعوا حاجتهم من اللعب، مع الحرص على اختيار ألعاب تحفّز خيالهم وتوسع مداركهم. وكذلك تشجيعهم على ممارسة هواياتهم وميولهم، مثل قراءة الكتب الأخرى من خارج إطار كتب المدرسة. ثم علينا تعويدهم على العمل الجماعي. والحذر من اتخاذ القرارات نيابة عنهم أو التدخّل في أدقّ تفاصيل حياتهم. ثم إن الطفل في حاجة إلى مساعدته في تشكيل بوصلته الأخلاقية، ومبادئه الصلبة التي سيحيا بها وتحكم تصرفاته وقراراته طوال عمره. له الحق في أن نطلعه على الثقافات الأجنبية. وأن ندعه يجرّب ويحلل المواقف. مع ضرورة تعليمه احترام النظام، وإعطائه الفرصة ليتفاعل تفاعلاً بنّاء مع بيئته. من ناحية أخرى، على المدارس أن تشجّع كلّ طفل على اللعب والاستكشاف والاستخدام الرشيد للتكنولوجيا والتعاون مع الآخرين. يجب أن تبتعد المدارس عن أسلوب الحفظ والتلقين، وأن تدعمه في استكشاف مسارات مختلفة في حياته، والأهمّ من ذلك أن تقضي على فكرة «التعليم بالجملة» عن طريق قولبة الطلبة وإنتاجهم في خطّ إنتاج متشابه، وكأنّ أسلوباً تعليميّاً واحداً وموحّداً يناسبهم جميعاً. أما الابتكار والإبداع في بيئة العمل فهو توجه مُلح وهو في الوقت ذاته نتيجة لمرحلتي البيت والمدرسة، وحصاد لما زُرع فيهما. والمؤسسة بلا أفكار، كقطار بلا مسار. فينبغي أن يتسم أصحاب الشركات بالانفتاح، ويقبلوا التغيير، ويفسحوا المجال للأفكار الجديدة والمبتكرة مهما كان منبعها داخل المؤَسسة. كما يجب أن يعلموا أنّ النظام الصارم والقواعد المتزمّتة داخل المؤَسسات يقفان حائلاً أمام الإبداع. فالتكيُّف مع التغيير والمبادرة هي القاعدة الوحيدة الثابتة التي لا بد من تطبيقها في المؤسسات والشركات سواء كانت كبيرة أو صغيرة. ومن الوسائل العملية للمحافظة على لياقة المؤسسة ومرونتها واستعدادها للتغيير؛ ترسيخ ثقافة «إننا ما زلنا في البداية» أو «سباق التميز ليس له خط نهاية» كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. لذا كان ستيف جوبز يفتخر دائماً بأن آبل هي أكبر شركة «مبتدئة» في العالم. وهنا لك أن تستحضر مستوى الحماس والتحفيز والعنفوان الذي يكون عليه المبتدئون أفراداً ومؤسسات أو شركات. وَمِمَّا علمنا إياه ستيف وهو أحد رواد الابتكار التقني في عالمنا أن المنظمات والشركات يجب أن تقاد بالأفكار بدلاً من الارتهان للهياكل التنظيمية الجامدة. وقد صرح في إحدى المقابلات المتلفزة أن عدد اللجان في شركته هو «صفر»، عملاً بمبدأ المنظمة المسطحة flat origination ويبرز دوره كقائد في التنقل بين فرق العمل التي تم تشكيلها اعتماداً على الأفكار المبدعة بهدف تبادل الأفكار وتطويرها ومعاينة نتائجها على أرض الواقع، من دون الحاجة إلى بيروقراطية انتظار التقارير ومحاضر الاجتماعات. كما لستيف جوبز تجارب عديدة في إثبات قوة الأفكار وقيمتها؛ فعندما غادر آبل في عام 1985 أسس شركة بكسار المتخصصة في إنتاج الرسوم ثلاثية الأبعاد cartoon intimations بتكلفة لم تتجاوز عشرين مليون دولار، وبعد أن أتخمها بالأفكار قام ببيعها بسعر خيالي يكسر كل قواعد التسويق والمال والأعمال، حيث باعها لشركة ديزني لاند بمبلغ قدره 7.4 مليار دولار!! هكذا تفعل الأفكار المبدعة. في النهاية أعتقد أنني لست مضطراً للتدليل على أهمية الابتكار ودوره المباشر في دفع عجلة التنمية، فها هي شركة أبل تتربع على عرش الشركة الأكبر في العالم من حيث القيمة السوقية، متخطية الشركات العملاقة في مجالي النفط والعقارات، والتي تعتمد ثرواتها ورأس مالها على أصول ثابتة ذات قيمة ملموسة، والسر هو تفكيرها المختلف وشغفها بالتفرد واعتمادها على رأس مالها من الأفكار المبتكرة والمتجددة دوماً. ما زالت رحلتنا مستمرة ولكن نتوقف هنا، ونكمل لاحقاً .. كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود