السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

عينٌ تستقصي الأفق

أغلب المنصات الإعلامية، بأشكالها كافة المتعارف عليها، والأخرى المستحدثة منها .. في تطلعها لتغذية وعي الجماهير .. هذا إن التفتت لموضوع الوعي في المقام الأول .. ستراها تذهب فوراً إلى اختيار أي موضوع عام مثير للجدل .. مع وجه مألوف يرتبط بذلك الجدل غالباً .. إنها في ذهابها تجاه ذلك الوعي المصطنع، تتناول القضية من قشورها بحيث يتحول الأمر إلى مجرد تفاعلات آنية متنوعة .. صراعات .. أفكار مسطحة، لا تخلف إلا تراكمات مظلمة من الخلاف، دون فهم كامل للقضية التي تم تناولها ودون تأملها بالمعنى الصحيح .. يشاركها في أحايين ملتبسة كثير من الأشكال الإبداعية التي تظن أن الإبداع هو شكل جدلي مجوف .. لا يذهب في ما يثيره إلى أبعد من صخب يتحول لكثرة ما تكرر إلى شكل رتيب من أشكال التفاعل. الكل يبحث عن الجدل ويتطلع إليه، وإن استعصى عليه الأمر حاول صناعته بطريقة تخلق من بعض القضايا أشكالاً أبعد من شكلها الحقيقي .. ويتحول الأمر في كثير من الأحوال إلى هوس مبالغ فيه كمثال أن كاتباً ما، لا يكتب إلا ما يشمل موضوع الجدل الآني .. ليظهر بمظهر القريب من وعي المتلقي العام وقضاياه الماسة وهو أمر يبدو في شكله الظاهر إيجابياً ومبشراً لكن في حال تحول الأمر إلى مجرد متابعة للجدل من دون تحرٍ عميق فيما حوله وتنميته إلى مشروع تأمل لفكرة بعيداً عما يحيط بها من أسماء وأحداث مجردة .. فإنه لن يعدو مجرد ثرثرة تتبع العواطف .. تشتعل ثم تخفت معها .. ما هو وجه اختلافك والمساحة التي اشتغلت عليها حتى تقدم فكرة أو تثير موضوعاً عدا أنك تطرح آراء تثير الجمهور الذي بقدر ما يستثار في شكل سريع ومشتعل فإنه ينسى تقريباً بالسرعة ذاتها إلا أنه لا يشفى من آثار ذلك الجدل الذي خلق آراء وأخرى مضادة تترك الكراهية ولا تخلف شيئا آخر؟ فإن غاب الحدث وتوابعه .. ذهبت كل بذور الأفكار المبشرة التي كانت قد مهدت لمعرفة ما، أياً كان شكلها والطريقة التي قادت إليها. هل الإبداع مشروع جدل؟ .. سؤال قد يطرح في تقصي ما. حول الإبداع من أسئلة متنوعة .. على اعتبار أنه شكل من أشكال التفاعل الكثيرة بين فصيلين إنسانيين .. يقدم أحدهما ويستقبل الآخر .. ولكن الإبداع بمفهومه الأعمق في خلق الوعي الجدلي أظنه يبدأ من التأمل في الفكرة وتقليبها .. فكرة غائبة عن الذهن الجمعي الحاضر أو مشوهة .. إنه يذهب في ذلك إلى نحتها حتى يخلق منها حدثاً يستحق التنقيب حوله وطرح الآراء المختلفة .. يتقبله البعض ويرفضه البعض الآخر .. وكنت أتأمل مؤخراً تناول الكاتب الإيطالي لشعور إنساني متعارف عليه هو «الاحتقار» محولاً من ذلك الشعور البسيط حدثاً جدلياً في روايته التي حملت الاسم ذاته «الاحتقار»، حيث العلاقة بين زوجين وكيفية وصولهما إلى ذلك الطريق المسدود في شعور البغض المقيت .. لقد صنع مورافيا عالماً جدلياً من تأمل وشعور يتملكك وأنت تقرأ .. حيث يضعك ببراعة في محل بطل العام متقصياً أحلك جوانبه لتتساءلا معاً .. في حين تمتلئ المنابر الجدلية الكثيرة بمئات الآراء والحوادث المثيرة، حيث العلاقة بين الأزواج هي مفتاح جذب المتلقي دون أن تقدم في ما يعقب المناقشات المشتعلة .. أي تأمل طويل الأمد أو تساؤل ولو في شعور مبهم خلف المشهد قد يقود إلى فهم مغاير ومستمر. أصبحنا نسير بذاكرتنا المعطوبة التي تستوقفها الجدليات البراقة .. تستهلكنا الأسماء العظيمة والوجوه التي تعرض انفعالاتها المختلفة لنلتقط معها تشنجها .. وقلقها الظاهر لا حيرتها التي تفتش .. تغيبنا النبرات العالية للأصوات التي تنتهك الهدأة، عن النبرة العميقة للفكرة ومعناها .. ننسى في خضم ذلك الصخب .. جدوى ما ومن نكون .. وما نحن صانعون وإلى أين نمضي فيما نحاول خلقه .. إننا في خضم تلهفنا المصطنع للعالم .. يفوتنا العالم بشكله المجرد ولا نكترث .. لأننا نمارس تلك اللامبالاة .. بعد مران طويل ولا واع على ذلك النوع من الجدل .. الذي تم تحويله من شكل مهم من أشكال الطرح والتعبير ووسائل المعرفة إلى غاية مسدودة .. تروج لفكرة معتمة أخرى وهي الاستسلام لبلادة العقل وركاكة العبارة، تجنباً لشقاق الجدل الذي أسيء استخدامه. [email protected]
#بلا_حدود