الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

رمضان .. صوم وليس صياماً فقط

يقف على أبوابنا ضيف جليل، رمضان شهر تغشاه رحمة ويحمله غفران، هدية من الرحمن إلى كل من عرف الحق وآمن بالحقيقة. ومع هذا القدوم المهيب، يجب أن نعد العدة لاستقباله، والاحتفاء به، وتقديره حق قدره، لكن عندما نتجاوز الاعتدال إلى حد التطرف في هذه المظاهر فإننا نسلب رمضان أول غاية منه وأسمى مقصد، وهو الاقتصاد الذي يؤجج فينا إحساس الجائعين والمحرومين عبر أنحاء العالم، هذه المبالغة التي تقضي على مفهوم التكافل الذي يعلمنا كيف نتفاعل مع احتياجات البشر وعوزهم. كما أن إفراطنا هذا يلغي الصلة الروحية بيننا وبين اللـه، ويعزز صلتنا ببطوننا وشهواتنا، وبالتالي فإن فعل التبذير الذي نمارسه في هذا الشهر الفضيل يجعل من رمضان عادة لا عبادة، شأنه شأن الكثير من العبادات التي خرجت من عباءة الصلة الروحية مع اللـه فلبست عباءة المظاهر والحركات الخالية من أي روح أو جذوة. هنا لا بد أن نفرّق بين الصيام والصوم، فحتى أطفالنا الذين لم يبلغوا الحلم بعد يصومون عن الطعام والشراب، ويجتمعون معنا على مائدة الإفطار، لا يعرفون لماذا جاعوا ولماذا عطشوا، لكنهم وجدوا آباءهم على هذا فاتبعوهم. ونحن الكبار إن لم نخرج الصيام من طور الجوع والعطش إلى طور الصوم والتقوى فإننا لا نقوم إلا بطقوس حركية، ونمارس عادات وتقاليد متوارثة ألبسناها ثوباً لا يليق بمقاصدها ولا بغاياتها. إن الصيام هو امتناع مؤقت عن الطعام والشراب وملذات الجسد، وهذه وسيلة وليست غاية، أما الصوم فهو التوقف تماماً، والتوبة نهائياً عن كل الفواحش، بدءاً من النميمية وكوارث اللسان، مروراً بأذى الناس، وصولاً إلى نمط سلوكنا خلال رمضان وغيره من الشهور. صيامنا إذا لم يرتق إلى مرتبة الصوم الذي أمر اللـه به السيدة مريم عليها السلام في قوله تعالى (فكُلي واشربي وقرِّي عيناً فإمّا ترَيِنّ من البشر أحداً فقولي إني نذرتُ للرحمن صوماً فلن أُكلم اليوم إنسياً). فهذا يعني أننا أمام مشكلة كبيرة، وفي شقاق كبير مع رمضان، مع رسالة من أُنزل عليه القرآن. جعله اللـه مغفرة ورحمة لنا جميعاً، وكل عام وأنتم بخير.
#بلا_حدود