الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

فقدناهم .. لكن أعمارهم طويلة

كم عاش معنا أناس على هذه البسيطة، واليوم تحضنهم عنّا أكوام التراب، يتقلبون في حياة البرزخ، في تلك العوالم المظلمة، والتي قد تكون نوراً وفسحة وضياء في عالمهم. قد يكون معهم تسامرنا، وربما لا، قد يكون معهم ضحكنا، وربما لا، وقد يكون بقربهم تأنّسنا، أو التقينا معهم مرّةً أو أكثر، لكنهم اليوم أبعد ما يكونون عن أعيننا، تفتقدهم قلوبنا، بل تدمع عليهم، هل سمعتم عن دمع القلوب، نعم، تدمع القلوب وتنهمر دموعها أكثر غزارةً ولهيباً من دمع العين. ما أعجب منه هو طول أعمار البعض منهم بعد مماتهم! نعم، طول أعمار بعضهم. نذكرهم دائماً ونحزن، وكأننا فقدناهم بالأمس، فأرواحهم بيننا، بسماتهم أمام أعيننا، طيبة قلوبهم ما زلنا نشعر بها، نحسّ بها، نتعاطف معها، هم الخالدون في هذه الدنيا، الباقون أثراً طيباً وزكياً في صدورنا وألسننا. ولكن، هل لهذا هم خالدون؟ أفكر، وأسترجع في ذاكرتي أشخاصاً عديدين قد رحلوا، أقارن بين الباقين منهم أثراً وبين غيرهم. فمنهم أصحاب المناصب، ومنهم البسطاء، ومنهم الغرباء وغيرهم، رحمهم الله جميعاً. في هذه اللحظة، وأنا أكتب تستحضر ذاكرتي شخصين، أحدهما توفي قبل الآخر بفترة طويلة، وكلاهما أتذكر جنازته، أتذكر تلك الحشود التي تحاشدت على جنازتيهما، أتذكر تلك الدموع التي كانت تنهمر من الغرباء قبل الأقرباء، ومن كبار السن قبل الصغار، والمثير للتأمل أن دفنهما مرّ بأجواء تستشعر بها وكأن الملائكة تساعد على دفنيهما، والمثير للتفكر بعمق أنّ الحديث عنهما بالخير لم ينقطع إلى هذه اللحظة! بساطة التعامل، زرع البهجة، الكلمة الراقية، الروح المرحة، الابتسامة المشرقة، سهل الطباع، هذه السمات التي تستنير بمخيلتي عندما أتذكرهم. هل يا ترى يكمن السر في هذه الجوانب، أم هناك سرٌ تميزوا به عن آخرين نحسبهم أخياراً ولكن أثرهم لم يخلّد. العلم عند الله، ولكن يبقى أنهم عاشوا بيننا بهدوء، وأثناء رحيلهم عنا خلفّوا ألماً وفراغاً يعطي في اللحظة نفسها درساً لابن آدم أن لن يبقى بعدك إلا أثرك الطيب وذكرك الكريم، فنحن في هذه الدنيا فقط عابري سبيل، فخلّف ذاك الأثر. [email protected]
#بلا_حدود