الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

القوة الكامنة

شيئان متناقضان قد يغيّران المرء، الحبّ والمعاناة، إنّهما يقومان بما لا يقوم به الطبّ، يغيران جينات المرء، وتغيير هندسة صفاته الوراثية، بشكلٍ سريعٍ، وبطيءٍ أحياناً، يدخلان يديهما إلى دماغه، يشدّان الأعصاب دون أن يضرّا بالجسد، أو يرخيانها دون أن يضرّا كذلك بأعمال الجسد. من غير (قد)، بل بالتأكيد يغيران في حال الإنسان، وقد يبدو لكَ شكل قلبهِ مختلفاً كذلك، ففي حال الحب، قد يبدو لكَ قلبُه على هيئة وردةٍ حمراء، أو نافذةٍ تطلّ على صباحٍ ما، أو بحرٍ هادئ الزرقة، أو على هيئة قصيدة لنزار أو قيس ليلى، أو يأخذ شكلَ فضاءٍ بنجومٍ تتلألأ ألوانها كمصابيح عرسٍ، أو طفلةٍ صباحَ عيدٍ، أو شكل حلوى قطنية لذيذة، ولكَ أن تطلق لخيالكَ العنان، حتى ليختلط عليكَ شكل قلبه بشكل روحه، فتكادُ تبصرهما متمازجان لا فاتق لرتقهما أبداً. وفي حال المعاناة، ولشدّة ضربات الألم، قد ترى قلبه متشقّقاً، أو كصخرةٍ لا ينفذ إلى أعماقها الماء، أو تراه شاحباً كمشرّدٍ في ليلةِ شتاء، أو كجبلِ جليدٍ، سترى حينها شكل الغضب الحقيقي، في هيئته المادّيّة، وستعرف كيف يكون لون الألم، وكيف تنشأ اللامبالاة، وسترى نطفتها وطريقة سباحتها في الحنايا حتى الوصول إلى القلب. إنهما يحرّكان اليد بطريقةٍ بديعة، طريقةٍ تسمّى (الكتابة)، فقد تجد من لم يكتب في حياته سطراً، يكتب إثر حبّهِ قصيدةً، وبعد معاناته روايةً، وهذا ما يستدعي الذهول، وستجد ما يكتبه في قمّة هذين العاملين الكبيرين، العظيمين، يخلّدُ ويتداولُ بتقديسٍ عجيب، ستجده يلمس كلّ نفسٍ دون حجاب، ويقول كل من يقرؤه: كأنّه أنا. فكيف بهما مجتمعين، كحال قيس، فحبٌّ وألمٌ، جعل من كل ما كتبه بدمعه وبحشرجةِ قلبه باقٍ إلى يومنا هذا، وقصيدة المتنبّي (واحرّ قلباه) يجتمع فيها الحب والمعاناة، فلا تملّها عينٌ قارئة ولا قلبٌ ناقد، ولو بحثت لوجدت الكثير. فبالله أليس هذا مدعاةٌ للتعجب، والتفكّر، وانتفاضةِ الخيال؟ [email protected]
#بلا_حدود