الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

التوسط والاعتدال في التواصل الإلكتروني

ما أروعهم، ما ألطفهم، ما أرقهم، وما أرقاهم، دوماً أنيقون، جميلون، مشرقون، تتابعهم محتفلين بتكريم لهم، أو بنجاح ابن، أو بتفوق ابنة، يعرضون ولائمهم، موائدهم، يتفننون باختيار أماكن ملفتة لأخذ صور لهم، تعكس مدى الفخامة، أو مدى الإمكانات المادية للسفر والتجوال، أو مدى طيبتهم وتواضع أخلاقهم، دوماً مبتهجون مبتسمون، هذا ما تراه وتلمسه وتحسه يتجسد بشكل عام من قبل المتواصلين مع الأصدقاء عبر منصات وقنوات التواصل الاجتماعي. لا تجد يوماً من يعلن عن فشله في مهمة ما، أو عن رسوب ابنه، أو يعرض صورة له وهو على طبيعته بدون تأنُّق، وعليه فإنك تشعر بأن الجميع بأفضل حال، وهم يعيشون أفضل منك بمراحل، يستمتعون ويسافرون ويُكرّمون، وترى أبناءهم ناجحين متفوقين سعداء، وحدك لا تتمتع بما يتمتعون، علماً بأنك أنت أيضاً لا تُظهر على مواقع التواصل الاجتماعي إلا ما يُظهرون، وتسهم في الظاهرة. هذا ما تنبهت إليه دراسة في إحدى الجامعات الأمريكية، وتوصلت الدراسة لأن نتيجة ذلك وخيمة على الفرد، وهي الإحباط والشعور بالضَّآلة، ما قد يؤدي به لعدم الرضى عن أوضاعه وعمله وظروف حياته، وهو ما يوصله لمرحلة الاكتئاب الذي قد يؤدي به للانتحار، بخاصة عند الفئة الأقل ثقة بنفسها، وأقل إيماناً. بالأمس وضع أحدهم، وهو عضو في مجموعة، منشوراً يفيد بأن هناك أشخاص لم نرهم ولم نلتق بهم، تعرفنا عليهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ورغم ذلك فإنهم يسعدوننا أكثر بكثير ممن هم حولنا في الواقع، وكانت الردود كلها بالتأييد، وهو ما يقلق، لأن هذا يعني أنها، وإن كانت مواقع للتواصل الاجتماعي، إلا أنها تؤدي للتباعد الاجتماعي على مستوى الواقع، كما تؤدي إلى روابط أقل في الحياة الحقيقية، فلا يكون التواصل إلا في العالم الافتراضي وسطحياً فقط، ما يؤدي إلى الانفصال عن اللحظة الواقعية، فلا نتذوق ونعايش المجريات من حولنا. يسير التواصل مع الآخرين عبر النت بصورة طردية تتزايد كل سنة بل كل يوم، فباتت تمثل خطاً رئيساً عريضاً في سلوك ويوميات الفرد، حتى إن اللغة اختل استعمالها لدى الكثير من الشباب الذين تلتقيهم، نتيجة اعتمادهم على النص المكتوب في التعامل مع أصدقاء النت، وهو مع الوقت سيشكل علامة في الجينات، ستؤدي بدورها إلى تغييرات جذرية في سمات البشر. لا شك في أن مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة ناجعة للبقاء على اتصال مع الأحبة والأصدقاء، ولكن لا ندع الإفراط فيها يفصلنا عن اللحظة، وعن المحيط، فالتوسط والاعتدال هو مفتاح التعامل السليم. [email protected]
#بلا_حدود