الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

إذا دفنت المرونة

ابتسمتْ والدتي وتجاعيد الزمن تزيدها جمالاً ووقاراً، بعد أن طلبتُ منها مزيداً من القصص، سردتْ لي مشهداً جميلاً ومؤلماً، عن أول يوم دراسي لها، وبدأت المشهد بوالدتها تُسرّح شعرها، وتغرقه زيتاً معتّقاً بقطعة من العنبر، وتصنع من شعرها جديلة، تلمع تحت أشعة شمس الصيف، وتُلبسها ثوباً موشّى بخيوط ذهبية، وتنتعلْ حذاءها الخشبيّ، والذي تُشبّهُه بشبشب غوار اليوم؛ وتجرّها نحو ساحة المطوع ناصر، لتلاوة القرآن الكريم. وبعد أيام عدة، وجّه لها المطوع سؤالاً ما هو درسك؟ فلم تستطع التذكر؛ فوبخها وضربها ضرباً مبرحاً بالخيزرانة؛ فتذكرت درسها من شدة الألم وقرأته، ولكنها خرجت من عنده، وهي عازمة على ألا تعود لهذه الساحة. وفي اليوم التالي، غيّرت طريقها نحو بيت المطوعة عاشة بنت القيواني؛ لتتلو عندها القرآن، فتعرّفتْ على بنات في عمرها، وبعد أيام عدة، وفي طريق العودة اعْتدتْ صديقتها المقربة ميرة بالضرب على إحدى بنات العوائل الغنيّة، ولم تكتف بذلك؛ بل وملأت أعقاب ملابسها وشعرها برمل الشاطئ الساخن، وفي اليوم التالي تفاجأتا بوالدة وعمة البنت وقد جاءتا لتنالا من خصوم ابنتهما، ففزعتا وزحفتا على ركْبَتِيهما تراجعاً إلى الخلف، وخرجتا تجريان بمصحفيهما نحو الحارة الشرقية البعيدة. تركتْ نعلها الخشبيّ الذي تحبه خلفها؛ لتأمن العقاب، وميرة خططتْ بحل جيد؛ فهي سريعة البديهة، توجهتْ حيث بيت المطوعة عيشة بنت ناصر، وبدأتا درسهما في ختم القرآن داخل بيتها من اليوم الأول؛ فأُعجبتْ المطوعة من براعتهما في سرعة الحفظ والنشاط، وأحستا بالراحة والاستقرار عندها. تُمرّر عليّ شريط ذكرياتها، وصوتها المرتعش يهز أفكاري، وأتمتم: يا لها من مرونة ذكية سهّلت حياتهم العلمية، ولن نصل إلى الذكاء في معاملاتنا بدون المرونة، أما الإجراءات والتعقيدات فأعداء المرونة ومعرقلة للمعاملات، فلا تعقيد في الانتقال بين دور العلم؛ والتسجيل أو اختبار تحديد المستوى، وتعبئة أوراق التسجيل أو النقل، وشرط الموافقة على النقل بوجود الشاغر، وضرورة الختم من الهيئة، أو الوزارة، ودفع رسوم، وورقة تقدير العمر، وإجازة مرضية مختومة، ناهيك عن حكاية الشهادات، وما أكثر شهادات اليوم، والدراسة مستمرة، طوال العام، فلا إجازات عن كتاب الله تعالى! [email protected]
#بلا_حدود