الخميس - 23 سبتمبر 2021
الخميس - 23 سبتمبر 2021

كدمات روحية

تخصص منظمة الأمم المتحدة العالمية يوم الخامس والعشرين من نوفمبر من كل عام، يوماً عالمياً للقضاء على العنف ضد المرأة .. برسالة تحاول أن تسلط ضوء التوعية تجاه كل الأنواع من التعنيف الذي تتعرض له المرأة حول العالم .. الطفلة، الفتاة، والسيدة .. وألاحظ مع اقتراب هذا اليوم انشغال كثير من المجلات العربية .. خصوصاً تلك التي تبدو ظاهرياً، من تلك التي تتناول شؤون المرأة واهتماماتها .. بأغلفة تتناول وجهاً شهيراً مليئاً بالكدمات مع مانشيت يشير إلى موضوع التعنيف الجسدي ويركز عليه .. الأمر الذي يبدو ظاهرياً كما هي شؤون المجلة إيجابياً في التوعية .. لكنه أيضاً يحصر مفهوم التعنيف في أكثر مظاهره سطحية ووضوحاً .. تماماً كشأن تلك المجلات عموماً في حصر اهتمامات المرأة العربية ضمن العام والسطحي من كل شيء .. وهو الذي يخلق ربكة عميقة على المدى الطويل في تناول الإعلام لمعنى المرأة العصرية التي تحاول أن تبذل مجهوداً كبيراً في التركيز على المظهر الذي لا يعكس شخصية أو هوية تميز كل سيدة على حدة، بقدر ما يظهر الأمر تجميعاً لشخصيات لا تشبهها محاولة أن تبدو كسيدة المدينة الحديثة .. مجهود قد لا يبذله الجنس الآخر، في سبيله لتحديد شخصيته الخاصة، في هذا العالم المتغير باستمرار .. وهو ما يعيدنا إلى سؤال العنف وطريقة تناوله السطحية. فبالعودة إلى تلك الكدمات الصادمة على الأغلفة البراقة .. تستطيع أن ترى أنها أغفلت في خضم تناولها العمومي .. معاني أكثر عمقاً للعنف .. وأشد تأثيراً على الأنثى من غيرها .. بما لا ينسجم مع رغبة التطوير العالمي لمفهوم التعنيف بتناول في أكثر أشكاله مواربة .. حيث أنه أحد أكثر الصعوبات التي تواجه يوم التوعية بهذا النوع من الانتهاكات هو توضيح أشكاله المتنوعة والأكثر انتشاراً ربما من ذلك الظاهر، ومساعدة المتعرضات له على النهوض بأنفسهن وإيقافه بشكل قاطع وحازم، قبل أن يتم تحذير المجموعة الأخرى التي تواجه تجاههن هذا الانتهاك. فكل لفظة تهين من قدر أي أنثى، هي تعنيف بشكل أو بآخر، وكل حرمان من أي حق مهما كان كبيراً أو صغيراً هو شكل من أشكال التعنيف أيضاً، هذا إضافة إلى غيرها من عموميات عدم المساواة والفصل وبعض صيغ القوانين التي تبارك هذا النوع من التمييز وغيرها. ولعل المثير للسخرية هنا، أنه حتى تلك المنشورات التي تحاول أن تخلق كائناً مثالياً ومتكلفاً على هيئة امرأة عصرية، تجدها من خلال رسالتها تلك، تمارس بدورها تمييزاً مبطناً ضد المرأة، قد يخلق كدمات روحية على المدى البعيد .. بفضل تلك المقاييس اللامنطقية في كثير من الأحيان، لتلك الأنثى العصرية .. فتفصل .. وتميز.. وتوجه الرسائل العنيفة المواربة، تجاه أي روح مختلفة وكل هوية، قد لا تنسجم مع تلك الصورة المفبركة. ثم يكون هناك دائماً نظرية الضحية، التي تحاول أن تكرسها الحملات السطحية تلك .. مفهوم أن المرأة كائن عاجز مغلوب على أمره .. وهو ما يظهر في الكيفية التي تظهر تلك الأغلفة من نظرات منكسرة ووضعيات توحي بالهشاشة لا بالقوة .. الأمر الذي يخلق ترسباً جديداً هو الضعف والإدانة، على المدى البعيد .. يجعل كل امرأة تتعرض لمثل هذا التعنيف أو غيره، تشعر بالخجل والدونية، قبل أن تشعر بضرورة أن يتوقف هذا الفعل الآن، لأنها لا يجب أن تكون ضحية، بقدر ما يتوجب عليها أن تكون إنساناً كاملاً وواعياً وقوياً، إنساناً يتشارك ذات الهموم مع آخرين يشبهونه، يتعرضون لانتهاكات متنوعة. فالخامس والعشرون من نوفمبر، هو يوم التصدي للعنف ضد المرأة .. نعم، لكنه العنف الأبعد من كسر أو عطب ظاهر، لأنه ليس سوى امتداد لكدمة أعمق في الروح، يجب أن يجري التطرق لها، مع استعمال شخوص، أكثر حقيقية من تلك التي يجري استقطابها، بغرض تسويق العدد، أكثر من البحث في المشكلة لحلها. [email protected]
#بلا_حدود