الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

«داعش» ليس علبة سجائر

على مائدة مستديرة، ووجبة غذاء خفيفة، التقيت مجموعة من البريطانيين والأمريكيين الذين أتوا خصيصاً من بلادهم للحصول على أفكار جديدة لإدارة الحرب ضد التطرف العنيف. وكما هي العادة، بدأت الجلسة بالحديث عن أن «داعش» متفوق إعلامياً، وأن أتباعه يجيدون استخدام الـ «سوشال ميديا» وأن الرسائل المضادة ليست بنفس الفعالية، وبالتالي، فإن السؤال هو كيف يتم تدشين حملة لمواجهة كل ذلك؟ وهنا مربط الفرس، فمشكلة الكثير من الغربيين هي أنهم يعتقدون أن المسألة هي إعلامية وحسب، أو أنهم يستطيعون التخلص من «آفة» الإرهاب كما يواجهون العادات السيئة كالتدخين والمخدرات والسمنة: عن طريق الإعلانات وحملات التوعية. مع احترامي، فالشخص الذي يريد أن ينتمي لتنظيم إرهابي لن توقفه صفحة ملونة في مجلة أو دعاية تلفزيونية تقول له «احذر .. الإرهاب مضر بالصحة»، هو أصلاً قد لا يقرأ المجلة أو لا يشاهد القناة التي تحمل هذه الرسالة. أتباع «داعش» قسمان: إما قتلة مأجورون يفعلون ما يفعلون لأجل المال وحسب، أو أيديولوجيون مغسولو الدماغ بالأسباب التي تدعو إليها هذه التنظيمات الإرهابية للجهاد. في كلا الحالين، لا بد من تجريد «داعش» من أسباب وجوده كي يتم التغلب عليه، فالمعركة لن تحسم فقط بالتغريدات المتبادلة على «تويتر»، أو حتى بقصف منشآت هذا التنظيم وترسانته العسكرية (التي لا بد لنا أن نسأل كيف حصل عليها؟ ومن سمح له بشرائها؟ وكيف باع نفطه مقابلها؟). أما كيف يتم تجريده من أسباب وجوده، فذلك يتم أولاً عبر بناء مجتمعات تؤمن بالأمل، وتنظر إلى المستقبل، وذلك عبر خلق فرص العمل، والقضاء على الفساد والواسطة، وتطوير التعليم، فحين يصبح أمام الشاب مستقبل وظيفي، ومكانة اجتماعية محترمة، فهو سيدير ظهره للخيارات المظلمة التي تنتهي إما بقتل نفسه حرقاً (كما فعل البوعزيزي) أو قتل نفسه والآخرين (كما يفعل انتحاريو «داعش»). هناك أيضاً الجانب الجيوسياسي، فلا بد لنا من الإصرار على القضاء على الأسباب التي خلقت بيئة «داعش» وأن تتبنى دول الاعتدال الحجة بطريقتها، بدلاً من السماح لمثل هذه التنظيمات باختطاف القضية. على رأس القضايا، قضية فلسطين التي عانت الأمرين بسبب استغلالها من قبل كل الجماعات التي تدعي أنها إسلامية مثل القاعدة والإخوان وحماس والنظام الإيراني، ومن ثم التمييز ضد السنة في العراق الذي أججه الطاغية نوري المالكي خلال أعوام حكمه، وبالتأكيد المجازر التي ارتكبها نظام بشار المتوحش في سوريا بحق شعبه والتي سكت عنها المجتمع الدولي. هذه المسألة باختصار، ولا يمكن لأي حملة إعلانية حل الموضوع دون معالجة جذوره. [email protected]
#بلا_حدود