السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

التغافل والتسامح

إن علاقة الإنسان بالآخرين في هذه الحياة لا يمكن أن تكون مثالية، ولا على نمط واحد مطرد، إذ لا مفر من وقوع الهفوات والزلات والأخطاء بين الناس حتى بين المقربين، وغالباً ما يتخذ من ذلك الشيطان مدخلاً ليوغر به الصدور ويوسوس بالبغضاء والقطيعة والفساد، قال تعالى (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء)، وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن بالتحريش بينهم)، رواه مسلم في صحيحه. لقد مدح الله قوى الأخلاق الفاضلة في الإنسان إذ قال (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)، فكظم الغيظ دال على العزيمة الراسخة في النفوس على قهر إرادة ما تشتهيه النفس، والعفو منزلة أكمل، والإحسان فوق ذلك كله. إن من يرد الخير لنفسه وللناس فعليه أن يتغافل عما يقع منهم من زلات، ويتصنع الغفلة عن خللهم، ولو ظهرت له فليعفُ وليصفح وليسامح كي تستمر علاقته بهم، وإلا فليعِش وحيداً كما قال بشار بن برد: إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقَك لم تلق الذي لا تعاتبه فعشْ واحداً أو صِل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئتَ، وأي الناس تصفو مشاربُه إن من شأن الناس الخطأ والتفوه بما لا نحب في ساعات الغضب، وحري بنا أن نتغاضى عن الأخطاء والزلات، وأن نعفو ونصفح كما قال تعالى (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم). إن التغافل والعفو فعل الكرام، ومن وطّن نفسه على تقبُّل الآخرين، والتغاضي والعفو عما لا يعجبه فيهم من صفات أو طباع أو أفعال عاش عيشة هنية، فالتغاضي والعفو عن المساوئ يزيل أسباب البغضاء ويصلح ذات البين ويحفظ الود، والعفو والإحسان طبيب للقلوب والأنفس مع القريب والبعيد، مع الزوجة والولد والجار والأخ والصديق وغيرهم. إن الصفح والتغافل سيد الموقف في هذه الأحوال عند الفطناء حتى لا تفسد الحياة بالتغاضب والتهاجر، وحتى لا تندفع الأنفس مع الغضب وعادات العناد، وفرق بين التغافل والغفلة، فالتغافل تغاضٍ عما يصدر من الآخرين من زلات مع علمك بها، أما الغفلة فجهل بما يحصل من أخطاء وأفعال مشينة، فالأول محمود والثاني مذموم. [email protected]
#بلا_حدود