الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021

الوهم مرادفاً للقنبلة

تابعت بشيء من الاهتمام منذ فترة، مادة وثائقية حول الحالة الصحية لأودولف هتلر في نهايات الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة ما يقارب 60 مليون إنسان في مدة تتجاوز الست سنوات بيوم واحد .. وبتدمير عظيم لمساحات شاسعة من العالم .. تترك في معظمها، ندوباً مستمرة إلى اليوم، لن تنقضي قبل وقت قريب أيضاً .. لأرى تركيز ذلك الوثائقي المعروض، على مجموعة من التقارير الطبية والمذكرات الخاصة بطبيب هتلر الوحيد ثيو موريل .. الطبيب الذي اختاره أودولف بعناية ليقربه من أحلك مناطق عالمه. كان في تدويناته، يشير بوضوح إلى فكرة مفادها أن سعي «أودولف هتلر» المحموم للسيطرة على كل شيء، بما في ذلك الجسد، جعله يتجاوب مع كل ما يمكن تجريبه عليه في سبيل ذلك، إلى الدرجة التي وصل الأمر به إلى الخضوع المستسلم جداً، لجميع أنواع العقاقير المنشطة التي تطورت لاحقاً إلى المسكنات التي تصنف حالياً كمواد مخدرة يحظر استخدامها طبياً.. فقد كان على القائد أن يبدو شاباً، لكأنه سيستمر على ذلك إلى الأبد .. كما كان يتوجب عليه أن يظهر قوياً بنيوياً مرسخاً لفكرة الرايخ الثالث القادر على امتلاك العالم بفضل معاركه التي يخرج منها منتصراً دائماً. لم يكن ثيو موريل يدون ذلك بمثل هذه التأملات الصافية، بل كان يحرص على تسجيلها كتحصيل حاصل، من أجل محاولة تذكر الأصناف التي جربها، وما يحتاج لأن يجربه، كلما تطلب الأمر درجة أكبر من الكمال الهش .. الأمر الذي قاده إلى تجريب عقاقير تعتبر حالياً من العقاقير التي تستخدم في العلاجات البيطرية، فلم يكن لموريل أي اهتمام خاص بمعنى قوة القائد وعظمة الرايخ الثالث، لم تكن له أي أيديولوجية محددة، ولم يرغب بأن يتبنى واحدة فعلاً .. لقد كان مجرد شخص يريد أن يجني ما يستطيع أن يظفر به من أموال كثيرة، مستغلاً سعي القائد المفترض إلى التدمير الذاتي الممنهج، بشكل لا واع .. المتقاطع مع التدمير الخارجي الذي أحدثته الحرب. لربما في وقتها – ويا للسخرية - كان موريل ذاك هو الأكثر ذكاءً وواقعية في ظل وهم يتعاظم .. لقد حماه جشعه. من الاستنتاجات المرعبة أيضاً .. ضمن ما قدمته تلك المادة الوثائقية المتلفزة في حينها، أن هذا الهوس التدميري بالكمال، ألقى بظلاله على جماعات كاملة، كانت تهتف بحياة القائد .. فذلك الشعب المنتصر بشكل دائم، كان مغيباً عن الوعي فعلاً، إذ تذكر كثير من الشواهد التاريخية والتقارير، إدمان معظم أفراد مجتمع ألمانيا النازية في حينها، بما فيهم ربات البيوت، على «الميثاميفيتامين»، المتعارف عليه شعبياً بـ «الكريستال ميث»، وهو نوع من أنواع المنشطات المحفزة لليقظة المفرطة، مع حالة عالية من النشوة، تضفي حولها هالة وهمية من الثقة بالنفس .. فقد كان الشعب، يواجه ضغطاً مزمناً ومرهقاً أدى به أخيراً إلى البحث عن أي منفذ، يجعله يتعامل مع كل المتناقضات المحيطة به.. ومتشبهاً بقائده الشاب الأزلي .. الخالد فيما يسعى إليه، والذي لا يقهر ولا يخاف .. ولا يصيبه الوهن أو التردد. إنها فكرة مأساوية بائسة فعلاً .. تلك التي تمزج الكمال بالتدمير، والقوة بالهدم .. كما أنها صورة تقدم بعداً تراكمياً مرعباً، تستنتج منه أن النزعة التدميرية، أياً كانت، ومهما كانت أسبابها، فإنها تبدأ هناك عميقاً من الداخل، وأنها تحدث بالتوازي مع أي تدمير خارجي. لقد كان «أدولف هتلر»، يتآكل مع كل علم نازي يُرفع عنوة، ومع كل مجزرة جديدة تحصل، يتآكل بقدر ما شعر هو رغم ذلك بالعظمة .. يتآكل حتى بات بحجم الفناء الأخير الذي أنهى معه حياته بطلقة اختارها هو .. وهذا الأمر هنا خارج افتراضات الجبن أو الفرار أو رسم صورة متطرفة شجاعة في اختيار اللحظة الأخيرة .. هو مجرد استكمال لذلك الوهم، الذي بدأ كقنبلة صغيرة موقوتة .. تتوقد بالعنف وتوابعه .. حتى انفجرت أخيراً لتشعل صاحبها وما حوله .. لعل العالم بمن فيه يدرك السر. [email protected]
#بلا_حدود