الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

من الذاكرة الشتوية

في أواخر التسعينيات، وفي مثل هذه الأجواء، بعد موسم أمطار سخي أنعش القلوب وأحيا ميّت العشب وأزهر البر واخضرت الحياة بهطّال الحيا، خرجنا نبتغي الفقع أو «الكمأ». لبيّنا دعوة أصحابنا من آل بالخيل من سكنة منطقة رماح، وتم تحديد منطقة «التفقيع»، أي التقاط ثمار الفقع، بعد موجة البرق والرعد والمطر الغزير. حينما قاربنا المنطقة، فوجئنا بالجموع الغفيرة والعدد الهائل للسيارات المصطفّة على جنبات الطريق، فترددنا في النزول ومزاحمة أهل المنطقة في هِبة السماء. الملاحظة، والتي أذكرها حتى الآن، أن أعداد النسوة أكثر من الرجال، وكأنهن أخبر بمواقع وجود الفقع، فما إن تغرس إحداهن سبابتها في الأرض حتى تلتقط حبة الفقع بمهارة تشي عن خبرة ومراس قديم في «الفِقاع». اعتذرنا لرفاقنا، وبررنا لهم مطولاً سبب تراجعنا، وعدنا أدراجنا باتجاه العاصمة أبوظبي، في الطريق اقترح أخي على والدتي جولة في البر، تقافزنا فرحاً نحن الصغار بهذا الاقتراح وبأن هناك فرصة سانحة لجمع الفقع في منطقة لا يزاحمنا فيها أحد. وصلنا المنطقة المحاذية لمحطة كهرباء الطويلة، نزلنا نحن الصغار «آنذاك» برفقة أخي، وبقيت أمي في السيارة «تتقهوى» تراقبنا من مكانها. تركتنا أم محمد نعيث خراباً في «البعقة الرويانة» بماء السماء، حتى كشفنا كابلات المحطة، وحينما عجزنا عن العثور على مبتغانا، أحضر أخي مفكات من الحجم الكبير لاستخراج الفقع، استمر في محاولاته في «النبش» ونحن نقتفي طريقته حتى كدنا أن نستخرج نفطاً أو أن نحفر بئراً ارتوازياً عذباً بتلك المفكات! على حين غِرّة، داهمتنا والدتي وقامت بسحب المفكات من أيادينا ونهرتنا بالتراجع، وبختنا بسخرية لاذعة، انحدرت بها إلى الدرك الأدنى من النعوت والتشبيهات! على إثره، وبعد تلك «الهزْبة» همدنا في أماكننا من شدة التعب واللعب والعبث الذي اقترفناه بأيدينا، وباشرت أم محمد وحدها باستخراج حبات الفقع من باطن الأرض وكأنها على علم مسبق بأماكن تموضعها. «بلقنا» عيوننا جميعاً من مهارتها، ثم انطلقنا فرحين بغنائم والدتي، وقفلنا عائدين إلى البيت، سكارى من الضحك والتعليقات الساخرة الطريفة حتى دمعت عيوننا، كان نهاراً من أجمل ما خزنّته ذاكرتي الشتوية، وصدَق المثل القائل: «واللي ما يعرف الصقر يشويه»! [email protected]
#بلا_حدود