الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

عندما تحترم نفسك سيحترمك الآخرون

حينما فقد ذلك الميكانيكي الشاب أحد أصابع يده اليسرى وهو في عمر التاسعة عشرة نتيجة إهمال صاحب ورشة لإصلاح السيارات يعمل فيها، أصيب بخيبة أمل وحزن شديد وأثرت تلك الحادثة الأليمة على نفسيته، وانضم إلى نقابة عمالية تهدف إلى تحسين أوضاع العمال، وبدأ يفكر جدياً في تكوين «اتحاد نقابة العمال البرازيليين». يُعتبر الرئيس البرازيلي الخامس والثلاثون لولا دا سيلفا أحد أعظم الرموز البرازيلية على الإطلاق، والزعيم الأكثر تأثيراً في العالم بحسب تصنيف مجلة التايم الشهيرة لعام ٢٠١٠، بل هو «أشهر سياسي على وجه الأرض» كما وصفه الرئيس الأمريكي أوباما. ولد لويس إيناسيو لولا دا سيلفا والمعروف باسم لولا دا سيلفا في عام ١٩٤٥ في ريف ولاية برنامبوكو التي تقع شمالي شرق البرازيل لعائلة برازيلية فقيرة جداً تتكون من عشرة أفراد. هرب والده إلى ساوباولو مع ابنة عمه التي تزوجها بعد أسبوعين فقط من مولد لولا وترك أولاده يواجهون مصيرهم مع زوجته «أريستيدس» التي اضطرت لأن تسكن مع أطفالها الثمانية في غرفة واحدة خلف ناد ليلي تنبعث منه الموسيقى الصاخبة مصحوبة بشتائم السكارى. وقد لعبت والدته دوراً كبيراً في صنع حياته وتكوين شخصيته، وقد اعترف بذلك قائلاً: «لقد علمتني أمي كيف أمشي مرفوع الرأس وكيف أحترم نفسي حتى يحترمني الآخرون». طبيعة الحياة القاسية التي عاشها لولا في طفولته وشبابه أسهمت في بناء شخصيته العنيدة والمثابرة والثورية وجعلته يؤمن دائماً بالأمل في الإصلاح والتغيير والإنجاز، وعلى الرغم من اعتقاله أكثر من مرة بسبب حركات التمرد والإضراب والاحتجاج التي كان يقودها من أجل تحسين ظروف العمال وتوفير العدالة الاجتماعية لمختلف الطبقات، إلا أنه كان يخرج كل مرة أكثر قوة وعزماً وإصراراً. في عام ١٩٧٨ انتخب لولا رئيساً لنقابة عمال الحديد، وبعدها بعامين انضم إلى «حزب العمال» لتبدأ مسيرته السياسية حيث رشح نفسه لرئاسة البرازيل إلا أنه فشل في الانتخابات ثلاث مرات ولكنه نجح أخيراً في انتخابات عام ٢٠٠٢ وبأكثرية ساحقة ليكون رئيساً لبلد كان يُعاني من الإفلاس الحاد بسبب القروض الباهظة لصندوق النقد الدولي لتصبح البرازيل في نهاية عام ٢٠٠٥ بلا ديون، بل وتملك احتياطياً مالياً يصل إلى ٢٥٠ مليار دولار. لقد استطاع لولا دا سيلفا أن ينقل البرازيل من خط الفقر والفساد والإفلاس لتصبح خلال ثماني سنوات فقط عملاقاً سياسياً واقتصادياً ليس في أمريكا الجنوبية فحسب ولكن في العالم بأسره. لولا دا سيلفا ماسح الأحذية الذي كان يجوب شوارع ساوباولو لكي يحصل على بعض المال من أجل توفير لقمة العيش لعائلته الفقيرة، استطاع بعد رحلة شاقة ومضنية أن يحقق المستحيل، ويحوّل البرازيل إلى واحدة من أعظم القوى العالمية الصاعدة. نال لولا دا سيلفا الكثير من الأوسمة، وهو الزعيم الوحيد من أمريكا اللاتينية الذي ورد اسمه في قائمة الـ ٥٠ الأكثر نفوذاً من زعماء العالم. في خطبته الشهيرة التي كان يُشير فيها إلى خنصره المقطوع، قال لولا دا سيلفا: «لقد فقدت إصبعي ولكنني لم أفقد أبداً أملي في بناء وطني».
#بلا_حدود