الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

شاشة وكتاب

للكاتب الكولومبي جيمس كانيون رواية تحمل عنوان «حكايات من ضيعة الأرامل»، وللرواية نفسها عنوان مستكمل فرعي له اسم «وقائع يرويها الرجال» .. العنوان يوازي طول العمل الذي يمتد في النسخة المترجمة منه إلى ما يزيد عن 400 صفحة، بفصول موزعة على مشهدين رئيسين: المشهد الأول، هو القرية الصغيرة المجهولة اللاتينية عام 1992 .. التي تصلها بوادر الحرب الأهلية في ذلك الوقت، فيؤخذ رجالها جميعهم بلا استثناء إلى تلك الحرب العبثية، لتبدأ من هنا، أسئلة النسوة الحقيقية الأولى تجاه النظام والاستمرارية والحياة وأدوارهن، وعن جدوى هذه الأدوار. فبعد شهر واحد من اختفاء الرجال، كان يتحتم على النسوة البدء بمحاولة تنظيم الكثير من الأمور التي عمتها الفوضى، في ظل تجاهل السلطات الرسمية لهن ولأهم احتياجاتهن الرئيسة. تشعر بهن كالإنسان الأول الذي يتلمس كل ما حوله بتوجس .. حتى يجد له شكلاً ومنفعة لاحقة، في جو بارع من الكوميديا السوداء التي تجعل القارئ، يواصل مع هواجس النسوة ويشعر بالنشوة كلما انتصرن على أي عقبة. أما المشهد الثاني لفصول العمل، فكان ذلك الدائر في أرض المعارك الأبعد، حيث المفارقات الإنسانية الموجعة لعبثية العنف الذي يخوضه الرجال، كالأخ الذي يقاتل في صفوف القوات الرسمية والذي يكتشف أنه يهيل التراب على شقيقه المقتول الذي انضم لصف الثوار المعاكس .. وكالجندي المعاق في مستشفى التأهيل، الذي يعلم بوجود أحد الثوار المصابين المتخفين في المستشفى، فيتأهب ليقتله متفاجئاً أثناء المواجهة بأنهما يتشاركان ذات العطب الجسدي والروحي معاً .. وغيرها من الحكايات التي تعرض في ومضات، موقف «جيمس كانيون» الصريح تجاه العنف وملابساته. والغريب أن أياً من الرجال، وفي حين كانت النسوة هناك يطرحن أسئلة عميقة عن الحياة ووجودهن .. لم يكن بصدد طرح أي سؤال عن جدوى هذا الانفلات المروع للدماء في كل مكان .. والسعي بأي شكل لإيقافه .. كانوا منساقين إلى الدائرة العابثة بكليتهم .. حيث البقاء اليومي المحدود هو قيمتهم العليا التي يغطونها بقيم علوية هشة .. بما تشتمل عليه من العدالة والحرية والوطن والحقوق وغيرها. لعل جيمس كانيون من خلال عمله الذي احتوى جميع شروط أدب أمريكا اللاتينية المازج بين الواقعية والسحرية .. كان يحاول أن يقدم إجابة ما على سؤال أزلي يطرح، فماذا لو تبدلت الأدوار فعلاً، منذ الإنسان المفكر الأول لتصبح المرأة هي الرائدة؟ .. ماذا لو حكمت النساء العالم؟ .. هل كان له أن يصبح أكثر رقة وأقل خراباً .. لقد صنع كانيون من خلال قريته تلك بمفارقاتها، مجموعة مرتبة وحازمة وقوية، من السيدات القادرات على إدارة حياة كاملة، بدون إراقة نقطة دم واحدة. المؤسف أن ذلك العمل حول إلى فيلم سينمائي .. بعنوان «بدون رجال»، ناسفاً كل تأملات «كانيون» وجهود الأرامل الحثيثة لإيجاد حياة .. محولاً إياهن، إلى مجموعة مشتتة وهزلية من النسوة، بأفكار غير منطقية، وذلك في لمحات تمنع المشاهد من فهم القصة التامة للعمل، قل أي شيء آخر .. لقد سطحت السينما هنا أدوار نساء القرية وأفكارهن، وجمحت بالكوميديا إلى درجة بعيدة، أتت بنتيجة عكسية .. فكيف للمشاهد أن يبتسم أو يضحك وهو يحاول أن يفهم ما يحدث أمامه بالأساس؟ .. لأنك حتى لو قرأت العمل مسبقاً .. فستجد أنك عاجز عن ربط الأحداث على الشاشة بشكل منطقي .. إضافة إلى إغفال العمل كلياً للمشهد الثاني الذي يستعرضه كاتب العمل عن ما يحدث في تلك المعارك البعيدة للرجال .. ما أفقد رسالة العمل جزئية مهمة .. كانت لتؤثر في المشاهد وتدفعه ربما لاحقاً، وذلك لمن لم يقرأ العمل، إلى البحث عن العمل المكتوب وقراءته. من جديد بين الكتاب والشاشة، يفوز الكتاب، لأنه يحفز السؤال والرؤية الحرة للمتلقي، أمام قيود مبهرجة كثيرة تقيد السينما العالمية، وتؤطرها لعرض أدوار معينة لصورة المرأة وصورة الرجل، إلا في حالات نادرة تخلق روائع سينمائية تضاهي الكتاب. [email protected]
#بلا_حدود