السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

الفقه والفقهاء

الحديث عن الفقه متشعب كثير المسالك، وقد تنازعت في تقريره طوائف شتى، فمن طارق باب التقيد بمذهب إمام حتى إذا ولج داره ألزم نفسه ألا يخرج، ومن هاجر محجة الفقهاء طالباً للدليل دون النظر في مقولاتهم، وبينهما طرائق مختلفة. إن تاريخ مسيرة الفقه لم تخل ممن تفرد باجتهاد ورأى أن تقييد الفقه من خلال تلك المدارس قعود عن مراتب الكمال، فقرر أن لكل أحد أن يستأنف الفقهَ ويباشر النظر في الأدلة كما فعل الماضون، ولو خالفهم جميعاً، كما لم يخل ممن تصلب نظره على رسوم مذاهبهم وشيد أتباع كل مذهب أمام طلابهم حواجز تحول بينهم وبين بقية المذاهب، ولكل من الطائفتين ما يدعم به مناهجهم، ويرد به على نظرائهم. لقد وضع كثير من الفقهاء المتقدمين أصول الاستنباط لاستخراج الأحكام من نصوص الوحي ولإبراز مقاصد الشريعة، ونهض بهذا الفقه كثير من الأئمة، وإن كان البروز لأربعة منهم، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. فطفق أتباع كل مذهب يعتنون بمذهب إمامهم تأصيلاً وتفريعاً واستدلالاً، وفي سبيل ذلك ما زال أئمة كل مذهب ينصرون قول إمامهم ويقررونه بما يرون من الأدلة، وما زال بعضهم يرد على بعض، فإما أن يرجع بعضهم عن قوله أو يقره باعتدال وتوسط حسب اجتهاده وما ترجح لديه لا لمجرد التصلب على فقه إمامه، وعلامة ذلك تحول بعضهم في بعض المسائل إلى مذاهب أخرى مما يدل على رحابة في التلقي والنظر في المتقدمين. إن تراث فقهاء الأمة قد حوى أصول المسائل التي هي قطب رحى مسائل الفقه مع ما ينزل بالمسلمين من مستجدات، وفي إقصاء هذا التراث وتجاوزه إهدار لتلك الجهود وتطويل للطريق. كما أن تعصب مقلدة المذاهب وحجرهم النظر في الدليل على اللاحق من المتفقهة بعد عن الحق، فالمقلد الصرف الذي لا يقوى على الاستنباط من أدلة الشريعة، ولا يستوعب رأي من يعارض إمامه ولو كان ما يقوله حقاً، يرد ما خالف إمامه، كما أن من ينبذ اجتهاد من سبق ويتعصب لرأيه يفوت على نفسه النظر في اجتهاد من سبق، والتعصب للحالين مذموم، فالإفادة من السابق لا تعني حجب اللاحق، كما أن الاعتبار بنظر اللاحق لا يعني نبذ السابق. [email protected]
#بلا_حدود