الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

إعلامنا العربي والمتاجرة بالدماء

لنكن صادقين وواقعيين بأن ليس كل وسائل الإعلام في العالم نزيهة، وغايتها إيصال الخبر بحيادية، وتراعى في عملها مواثيق العمل الصحفي والإعلامي وتتحرى المهنية في أدائها. فهناك توجهات خاصة تقود بعض المؤسسات الإعلامية، وتطغى على أولوياتها فبركة الصورة والخبر وتفخيخه لتمرير مشروعها وغاياتها الحقيقية عبر واجهتها ووسيلتها الإعلامية، ومنها الإثارة والمتاجرة بدماء الأبرياء بمعزل عن مشاعر المتلّقي. الأحداث الإرهابية المؤسفة التي طالت أرواح الأبرياء في العاصمة الفرنسية باريس والأخرى في الضاحية الجنوبية في بيروت، تباين أداء المؤسستين الإعلاميتين في كلا البلدين، فبالرغم من فداحة المشهد الإرهابي وتوقيته في باريس، ارتأت المؤسسة الإعلامية الفرنسية بكل عقلانية ومهنية تحييد مشهد الدماء والأشلاء المتناثرة عن الشاشة، احتراماً لمشاعر الشعب الفرنسي، والتركيز على أبعاد ذلك العمل السافر وكشف دناءة وأيديولوجية مرتكبيه. أما التغطية التي انتهجتها وسائل إعلام لبنانية، فكانت مخجلة ولا ترقى لأدنى سقف مهني إعلامي مبتدئ، وهنا لا ننكر مأساة وبشاعة المشهد في انفجاري الضاحية الجنوبية، وبذات التكتيك الذي اخترق العاصمة الفرنسية، الأحزمة الناسفة، وحصده أعداداً كبيرة من الأبرياء، غير أن وجه الإثارة وتأجيج مشاعر الشارع كان واضحاً، ويضرب أحياناً المعايير المهنية ولا يحترم مشاعر المشاهد. فماذا يعني مشهد «استنطاق» لصبي صغير أمام الشاشة، وتوصيف مشاعره بعد أن قضت عائلته دفعة واحدة في أحداث الانفجارين المأساويين؟ وما الغاية من زج الأطفال لاستدرار عاطفة المجتمع الدولي إزاء قضايا الإرهاب؟ لم الفوضى في إدارة الحدث وتسويقه بصورة لا تخدم سوى المتربصين بنا؟ من بنود ميثاق الشرف الإعلامي المنبثق عن جامعة الدول العربية المعدّل لعام 2013، بند ينصّ على ضرورة اﻟﺤﺮص ﻋﻠﻰ ﺣﻤﺎﻳﺔ اﻷﻃﻔﺎل واﻷﺣﺪاث ﻣﻦ ﻣﺨﺎطر اﻟﻤﻮاد اﻹﻋﻼﻣﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻀﻤﻦ مشاهد عنف أو مشاهد سلوكية غير سليمة تتناقض مع القيم النبيلة، فكيف باستخدامهم ورقة للإثارة والتحريض على العنف والكراهية واستدرار عطف المشاهد؟ في ظل هذه الفوضى والجهل بأولويات العمل الإعلامي، من تسويق ومتاجرة بدماء الضحايا وبالصورة وبالخبر، فلا بد من تفعيل لمواثيق جديدة نافذة تنظم العمل الإعلامي على أن تكون بإدارة المجتمع المهني نفسه، لدراسة مواطن الخلل الإعلامي ومن ثم معالجتها.
#بلا_حدود