الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

لماذا أنا مؤمن؟

لو طرحت هذا السؤال على عينة عشوائية من البشر، من مختلف الجنسيات والثقافات والأديان، ستجد نفسك أمام إجابات تدور كلها حول محور واحد، وهو حاجة هذا الكون المترامي الأطراف إلى خالقٍ عظيم أوجده من العدم، وإلى مدبرٍ قدير قائم بشؤونه، وهو المحور الذي يدور حوله قانون السببية الذي درسناه في مناهج التربية الإسلامية منذ نعومة أظفارنا. وهو من وجهة نظري منطق وجيه رغم بساطته، فإذا كانت الطبيعة عاجزة عن بناء كوخٍ صغير تسكنه عائلة واحدة، فكيف لها أن تخلق نظاماً كونياً يضم أعداداً لا تحصى من الكائنات الحية وغير الحية؟ وكيف لها أن تُدير شؤونه وفق قوانين فائقة الدقة؟ ورغم وجاهة هذا المنطق، إلا أنه ليس موضع حديثي اليوم، فأنا كفرد لا أحتاج لقانون السببية للإيمان بوجود خالق عظيم لهذا الكون، فأنا أؤمن بوجود الله سبحانه وتعالى لسبب أبسط من ذلك بكثير، وأعمق بكثير، ولا يمكن تجاهله بأي حال من الأحوال. فأنا كمخلوق محدود القدرات أشعر بوجود الله عز وجل، وأحتاج إليه في كل شيء، وإذا كان عالم النفس الأمريكي إبراهام ماسلو قد رتب حاجات الإنسان وفق مسار تصاعدي يبدأ بالحاجات الأساسية التي لا يستغني عنها أي كائن حي، وينتهي بالحاجات المعنوية التي لا تتوفر غالباً لثلاثة أرباع سكان الأرض. فأنا أستميحه عذراً هنا لأضيف إليها حاجة جديدة، لها من وجهة نظري الأولوية القصوى قبل كل شيء، ويمكن اعتبارها حاجة وجودية ترتبط بالروح قبل الجسد، وهي الحاجة إلى وجه إله نعبده ونستعين به ونتوكل عليه ونفوض إليه كل ما عجزنا عن التصرف بشأنه. قد يبدو هذا الطرح إنشائياً وعاطفياً نوعاً ما لبعض المتشككين والمتسائلين، ولكني على يقين بأن نظرتهم إليه ستتغير جذرياً لو قرؤوا عن اللحظات الأخيرة من حياة مجموعة ليست قليلة من كبار الفيزيائيين الملحدين، والذين تغيرت نظرتهم إلى هذه القضية الوجودية وهم على أسرة الاحتضار، وفطنوا للحقيقة التي ظلوا ينكرونها طيلة حياتهم، فطلبوا من زوجاتهم وأبنائهم أن يحضروا لهم شيخاً أو قسيساً ليعلنوا أمامه اعترافهم الأخير. لذلك أنا لا أحبذ الدخول في مناظرات مباشرة مع الملحدين، لأن هذه الحاجة الوجودية من وجهة نظري تستيقظ ذاتياً داخل الإنسان في لحظات معينة من حياته، وغالباً ما تبوء محاولات تحفيزها بالأدلة والبراهين المادية والمنطقية بالفشل. مشكلة الإنسان الدائمة هي تباين نظرته للغيبيات والأسئلة الوجودية ما بين لحظات قوته وضعفه، فهو عنيد ومكابر في لحظات قوته، ومرن ومتفهم في لحظات ضعفه، وما أحوجنا جميعاً لعون الله ورحمة الله ولطف الله ومغفرة الله. [email protected]
#بلا_حدود