الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

3000 ليلة لم تعرفها شهرزاد

تحدثنا الحكاية عن ألف ليلة وليلة عاشتها شهرزاد في قصر شهريار تنام على ريش النعام، وترسم له الأحلام، تسرد وتسرد، حتى يغالبها النعاس فتنام، يؤجل هو حكمه بقتلها مشدوداً لمعرفة بقية الحكاية. ألف ليلة وليلة من المقاومة، تقاوم جبروت سيدها وتَجَبُّرَه وظلمه بقص القصص، فكان سلاح مقاومة لم يسبقها إليه أحد، وكان أبطال حكاياتها متنوعين متعددين في أعمارهم ومكانتهم الاجتماعية، في ظروفهم وأهدافهم، لكن هدف شهرزاد واحد لا يتغير، وهو رفع الظلم عن نساء كثيرات وتأجيل قتلهن على يد شهرزاد، على أمل أن يستجد جديد فيصحو من خلاله ضمير شهريار. أما السينمائية الفلسطينية مي المصري، فقد حدثتنا عن 3000 ليلة لم تعرفها شهرزاد، ولم تتناول أحداثها طوال الألف ليلة قبل الليلة التي أفرج عنها فيها سيدها وأقر بحقها في الحياة، وهذه الليالي تساوي ثماني سنوات قضتها «ليال» بطلة فيلم «3000 ليلة» في السجون الإسرائيلية، الذي شاهدناه مؤخراً في مهرجان دبي السينمائي 2015. وتأكيداً على ضعف السبب الذي أدى إلى اعتقالها طوال ثماني سنوات، فإن المخرجة مرت به في عُجالة مع بداية الفيلم، لنعايش بعدها حجم المعاناة والحرمان والقسوة التي عاشتها «ليال»، وقد تعددت مصادر المعاناة، بعضها من القائمين على السجن ومنهم السجينات أنفسهن، حتى زوجها الأناني الذي يجسد موقف أناس من دمنا ولحمنا يمارسون صنوف القسوة والتَّجَبُّرِ علينا. ثماني سنوات من عمر ليال صادروها منها بغير وجه حق، بل أذاقوها المرارة أثناءها، وقد أنجبت في السجن طفلها الأول الذي سرّى عنها بعض الوقت، ثم نزعوه منها، لتعود إلى العزلة ونظرات الشك من سجينات عرب، مخافة أن تكون متعاونة مع إدارة السجن لتزويدهم بالمعلومات عن السجينات. يجسد فيلم «3000 ليلة» معاناة النساء العرب في السجون الإسرائيلية، وحجم القهر، وكل ذلك لأسباب أوهى من خيوط العنكبوت، وذلك بحيل إخراجية مبدعة تجسدت بأسلوب مي المصري في التعبير عن مرور الزمن برمزية ذكية وحلول إخراجية أخرى كثيرة، كما أبدعت في تنوع اللقطات بما يكسر الملل في فيلم يدور جُلّ أحداثه في مكان واحد قاتم ممل وهو السجن. وقد أبدعت بطلات الفيلم في أداء أدوارهن على تعدد شخصياتهن بأبعادها الثلاثة، وذلك بصورة انتزعت إعجابنا وشديد تصفيقنا في نهاية العرض. فيلم «3000 ليلة» بالفعل كان نقطة ضوء على جبين السينما الفلسطينية، نفخر به، رغم أنه التجربة الروائية الأولى للمخرجة مي المصري التي احترفت الأفلام الوثائقية، ولكنها هذا العام تتحفنا بفيلم روائي أبهرنا، تتناول فيه المرأة والطفل وهو محور اهتمامها في غالبية أفلامها التسجيلية. [email protected]
#بلا_حدود