الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

وحشة الدمى

اكتشف العلماء دمى مصنوعة من الصلصال والعاج بأذرع وأرجل متحركة موصلة بأسلاك في المقابر المصرية القديمة. وحمل هذا الاكتشاف تاريخ نشأة الدمى المتحركة إلى 2000 سنة قبل الميلاد. وقد وُجدت نماذج من هذه الدمى بأشكال متنوعة في آثار الحضارات القديمة كذلك. ويعتقد العلماء بأنها كانت بداية مهنة التمثيل، حيث كان مسرح العرائس المتحركة يحمل رسالة معينة كالتعبير عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية بأسلوب يجذب الكبار والصغار معاً. وفي وقتنا الحاضر تطور هذا الفن لتتداخل معه فنون أخرى، لكن رسالته في بعض القرى الأفريقية النائية قررت الهروب من ذلك التطور، فتمحورت رسالة مسرح الدمى فيها حول نقل القيم والأفكار الثقافية المتوارثة التي بدأت تتلاشى في المدن الكبيرة جرّاء تأثير العولمة ووسائلها المختلفة كالسينما والتلفاز. يُقال إن التركيز ينصب على الدمى فهي التي تنقل الرسالة، لكن محرّك الدمى هو من يقوم بإحياء المشهد. فالطريقة التي يتحكم فيها بالممثلين والخلفيات هي التي تترجم النص الورقي إلى مشهد حي. ترتدي الدمية الزي الذي يختاره محرّكها، وتتزين بالألوان التي يرى أنها ستخدم الفكرة. وقبل أن يبدأ العرض، تسارع لترتدي أسلاك محرّك الدمى لتنتظر بعدها التعليمات. تتحدث بعفوية، وفي الدقيقة التي تليها ربما تتعقد الأفكار. ترقص، تبكي، أو تلقي قصيدة ما. تمسك أسلاك المحرّك بأطرافها، وتنصاع هي للدور بحذافيره. وحالما ينتهي الحوار، وحالما ينصرف الحضور، وحالما تنطفئ المصابيح تعود إلى علبتها وتعيد تكرار حوارها للعرض القادم. بعض محرّكي الدمى لا يخلع رداءه قبل أن يخرج من عمله، فهو شغوف للحد الذي يجعله ينقل مسرحه من الجدران الخشبية ليتخذ الجدران الاجتماعية المخفية مسرحاً أعظم. لكن هل تعلم الدمية على أرض الواقع أنها ناقل مؤقت لرسالة قديمة جداً؟ هل تعلم عمق الوحدة التي تنتظرها في العلبة بعد انتهاء العرض؟ وما جدوى أن تمتلك صوتاً لا يخرج إلا من حنجرة شخص آخر؟ لن أتطرق للممثلين الثانويين الصامتين حتى وهم يتكلمون، فرضاهم من عدمه ليس بذي أهمية تذكر، لكن هل تحققتَ أنت من معصميك مؤخراً؟ [email protected]
#بلا_حدود