السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

فن تحريك الجبال (3-3)

بعدما تعمق في ذاته أكثر فأكثر؛ اكتشف أن سبب البؤس الذي يعيشه، وشظف العيش الذي يعانيه، هو عدم إيمانه بذاته، وتقديره لإمكاناته وقدراته التي حباه الله بها. لذا لا يجد نفسه أهلاً للإقدام والمبادرة، ولا يطلب إلا القليل لأنه لا يؤمن أنه يستحق أكثر من ذلك! اكتشف صاحبنا أنه يقيم نفسه ومهاراته وقدراته ويعرضها بسعر رخيص، فيجد في المقابل من يساومه على أقل من ذلك. اكتشف صاحبنا «شيفرة التحطيم الذاتي» التي كان يستخدمها دائماً لإبقائه في الحضيض. أصبح يرى الشيفرة المدمرة في كل تصرفاته السابقة، وبدا واضحاً أمامه أنه لن يجد من يؤمن به ويعتمد عليه؛ إذا كان هو لم يؤمن بذاته ويجدها جديرة بالثقة والاعتماد. عندها قررت، يقول صاحبنا، ألا أبيع نفسي رخيصاً بعد اليوم. في صباح اليوم التالي، شعرت بالثقة تدب في أوصالي، وخلال مقابلة العمل الجديد عرضت نفسي وفق إيماني واعتقادي الجديد. لقد كنت أرغب في عمل يزيد راتبُه عن راتب وظيفتي الحالية بـ 750 دولاراً أو 1000 دولار كحد أقصى؛ إلا أنني طلبت 3500 دولاراً، وحصلت على تسعيرتي الجديدة لذاتي. ومن حينها لا يزال إيماني بذاتي يرفعني من درجة إلى أخرى وأحقق به النجاحات المتتالية. عقولنا تنتج الكثير من الأفكار في كل لحظة، وهي مزدحمة ومشغولة بها بشكل لا يوصف. ويشرف على الأفكار –كما يقول د. شوارتز- اثنان من المشرفين. أحدهما «السيد المنتصر Triumph» والثاني «السيد المنهزم Defeat». فالأول يهتم بإنتاج الأفكار الإيجابية والتي تشعرنا بالاقتدار والانتصار والشجاعة، والثاني يكثر من الأفكار السلبية التي تجعلنا نخاف ونجبن وننهزم في مواجهة التحديات. فكما قيل. وكل المطلوب منا هو شيء من الوعي والانتباه قبل اتخاذ المواقف وردود الأفعال، فالمتفائل أو المتشائم الذي بداخلنا لا ينشطان إلا بإشارة منا. فنحن من يوجه مسار التفكير، ثم على نتائج التوجيه نتخذ القرارات. وأذكر ذات مرة طلبت من المشاركين في إحدى الدورات التدريبية القيادية أن يلعبوا معي لعبة قوة التحكم في توجيه الأفكار، حتى نتعرف على مدى قدرتنا الخارقة التي وهبنا الله إياها للتحكم بمصائرنا ورسم أقدارنا إن صحت التسمية. ومن بين الطلبات التي طلبتها أن نفكر إيجابياً تجاه شيء اتفقنا على وصمه بكل سوء وهو عنوان كل معصية وسبب كل بلية أصابتنا نحن البشر! يا ترى ما هو هذا الشيء؟ نعم إنه إبليس!! طلبت من المشاركين أن يعطوني مزايا إبليس وجوانبه الإيجابية! بعد شيء من الدهشة والتردد؛ بدأت المشاركات تنهال علي في مزايا إبليس ودوره الإيجابي وجوانب قوته. ومن كثرة المزايا التي تفتقت بها أذهان المشاركين؛ حسبت أن إبليس ليس بذلك السوء. أيها السادة والسيدات، هذه ليست دعابة، لكنها دلالة بسيطة على قوة التفكير وطريقة عمله، وكيف أنه بالفعل قادر على تحريك الجبال الراسيات، أو تحويل الأمة العظيمة إلى مسخ وأضحوكة بيد حفنة من البشر أو مرتهنة لدويلة ناشئة لا تاريخ لها ولا جذور تشدها إلى الأرض. الحديث في هذا الموضوع يطول، ولكن قبل أن أختم أود أن أحذركم من «سراق الأحلام» ممن يستميتون في جذبنا إلى القاع، ويسوقون لنا البراهين من العقل والنقل، وحتى من القرآن والسنة! في التحذير من التفكير خارج الإطار، أو مجرد محاولة التحليق عالياً خارج السرب. حتى إن أحدهم أنكر الكلام بأن القيم في قدرة المرء تحريك الجبال إن أراد ذلك. ووصمه بالتغييب وبيع الوهم والتفكير الذي لا يبنى عليه عمل ويدعو إلى التواكل! وقبل أيام دخلت في مناقشة مع من يرى أننا محكومون بأقدار مكتوبة لا مفر منها، وأن عيشنا وفقاً لقراراتنا يعدّ ضرباً من الهرطقة وانحرافاً عن التوحيد، وكأنه اطلع على الغيب الذي كتبه الله فهو يسير بمقتضاه! ونسي أن مقدر الأقدار أمرنا بالعمل في سورة التوبة فقال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود