الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

الغربة الآوية

إننا نأوي إلى الغربة، ولو بشكلٍ نفسيّ، كلما تعرضنا لقرصةٍ ذات أصبعين كالسيف المدبّب الحدّ، من قريبٍ حبيب. هكذا نهدأ لنفهم، لنستوعب كل الأسباب التي يمكن الاقتناع بها ليحدث ما حدث، ونحاول معرفة الطريق للتشافي، والخروج من هذا الغرق، هكذا نغلق أبواب جراحات القلب، بشمعٍ ولو مؤقّتٍ، معصورٍ من احتمالات التسامح. الغربة، تؤوي، تُنسي، تُفرغنا من ازدحام المشاعر، وتداخل القناعات، والسقوط، الغربة هي البحر الذي يجدّ على موجه الهادئ سفننا، نحو الفراغ الواسع، نحو اللاشيء الذي يمنحنا لذّة الحياة، الغربة تكمّلنا للحظات، وتخرجنا من دائرة بشريتنا للحظات. هي السماء، هي الظلّ في هجير صيفٍ طويل، هي السلامُ بعد قرونِ حربٍ ظالمة، الغربة الانتماء للجنّة، قبل القيامة، والغناء الصباحيّ لطائرٍ حسن الصوت، يغرّد على النافذة البيضاء، بحبٍّ أخضر. هي الماء، سرّاً يتفجّر في ميادين الظمأ، ليلغيه، ويديم صلة الظامئ بالحياة. هي العتبة التي يجلس عليها الصبيّ في الظهيرة أو العصر، ينظر للسماء، بعد الترفّع عن خلوّ الزقاقات والشوارع، ويناجي، أو كما قال إبراهيم نصر الله في قصيدته غياب: حين لم تجد المرأةُ بابَ بيتها، حين لم تجد النافذة، ولا السطح، ولا حبل الغسيل، بيديها المجرّحتين راحت تحفر المكانَ وهي تصيح: العتبة يا إلهي، العتبة على الأقل، أجلسُ عليها وأحكي لهذا الليل، حكاية البيت الذي كان. هي عينا الحبيب، حيث الوطن الدافئ، والضياع التي يأتي برغبةٍ جامحة، حيث الموسيقى التي تبتلعك، وتضمك، ضمةَ رحمةٍ واحتواء، حيث الكوخ الصغير ذو المدفئة الصغيرة في طرفه، الكوخ الجالس بهدوئه الجميل على ضفة نهرٍ ساكن، أو بحيرةٍ خاشعة، المسكون بالدفء والطمأنينة، حيث الأمان، حيث الأمان، حيث الأمان. الغربة، هي القصيدة، مستسلماً لها الشاعر، مانحاً إياها عمره وروحه برضى الابن البارّ، والأم المضحيّة. فقط أقول: فلتكن غربة استراحةُ محاربٍ، لا هروبَ الجبان. [email protected]
#بلا_حدود