السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

قيمة أقصى السوء .. فلورنس فوستر وغيرها

إذا استمعت إليها ستشعر حتماً أن ثمة خطأ متراكباً، خطأ لم تقدر قوة النقد الفنية وسطوة الاستفظاع الجماهيرية أن تسوّيه بالأرض، النشاز الذي يقهر ويغلب بتنفُّذ المال. أحكي عن حياة مطربة الأوبرا المتوفاة قبل سبعين سنة، والمحتفى بها عالمياً بلا عقل «فلورنس فوستر». مجرد فتاة أمريكية ورثت ثروة عظيمة عن والدها، لتقرر أن تستثمرها في تحقيق حلم خاص تكون فيه أيقونة الغناء الأوبرالي، متحدية إمكاناتها التشريحية المضطربة وقلة حظها من الموهبة. والحق أن إيمانها بأوتار متنافرة وحنجرة لا تخدم حلمها كان ملهماً، كما كان تراجيدياً أيضاً. كانت تظهر على المسرح بعد إرساء عدد من التدابير المشروطة لتحمي وهمها، توزع الورود على الخشبة، وتفاجئ الحضور بحلل طاووسية تسحب جزءاً من الاهتمام الجماهيري ناحيتها لتقلل حجم الاهتمام بصوتها ربما، ثم تبدأ بالعويل والتشنجات التي لا يملك معها الجمهور إلا أن يضحك بنقمة، ضحكاتهم توخز حلمها، فتقرر استئجار من يطرد كل من يضحك أو حتى يكتم ضحكاته. العالم لم يهملها، تكرر الاحتفاء بها مثلما يتم الاحتفاء بالمخرج إدوارد وود الذي حصد لقب أسوأ مخرج في التاريخ، لدرجة أن هناك من أسس له جمعية دينية لعبادته، كما احتفى الناس بأسوأ أغنية في العالم لريبيكا بلاك، ما دفعها لمواصلة بث الأغنيات السيئة، وقد رأينا كيف يتم الاحتفاء بجائزة أسوأ لباس وأسوأ فيلم في السينما. الناس يلتصقون بغزير الموهبة بالقدر الذي يلتصقون فيه بمنعدمها، أقصى الانهيار يساوي أقصى العلو من اهتمام الناس وملاحقته له، ويبقى الوسط عقدة مملة يتهربون منها كونها نمط عيش معتاد. [email protected]
#بلا_حدود