الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

غرفة

يمكن للعالم بأسره أن يُحشر في غرفة صغيرة، ونعني بوصف العالم هنا ذلك العالم الأساسي الذي سيمكننا من اختبار شكل الحياة الأول، وتفاصيلها التي ستساعدنا على النمو والاستكشاف دون أن نشعر بأنه يفوتنا الكثير من الذي قد يحدث في مكان آخر .. بفكرة تأويلية أولى كهذه ينطبق الفيلم الأمريكي «غرفة»، وهو خلافاً لعادة أفلام هوليوود المبهرجة يبدأ من غرفة ضيقة وقاتمة، حيث الصغير الذي يستيقظ على يوم ميلاده مستكملاً عامه الخامس تجاوره والدته .. في غرفة خالية إلا من الأساسيات وبعض الكماليات كالتلفاز ومحضرات الأطعمة. يبدأ مع والدته يومه بما يشمله من تفاصيل الميلاد الذي احتوى على تحضير كعكة صغيرة لا تعلوها الشموع التي لا تتوفر لديهما من أجل مناسبات كهذه .. كل ذلك في عالمهما الضيق. وتتساءل هنا، أنت كمتفرج، ما الذي يمنعهما من الخروج للحصول على واحدة؟ لماذا تزدحم الأشياء كلها في حيز واحد؟ هل هو العوز .. أم هل نحن أمام عزلة من شكل جديد تختارها؟ أم تخاف على صغيرها من العالم؟ وتتساءل أكثر وأنت تستمع لتأملات الصغير الداخلية عما يحدث في الخارج، فكيف لهذا الصبي الذي يظهر أنه لم يرَ العالم الخارجي ولا مرة واحدة أن ينمو بهذا الذكاء وهذه القدرة على استشعار التفاصيل.. فقط من خلال نافذة السقيفة العالية، ومن نافذة التلفاز .. وبعض أحاديث والدته؟ يجيبك الفيلم لاحقاً .. بما قد يخفف حيرتك، وذلك بظهور شخصية ثالثة لرجل في العقد الرابع من عمره تقريباً .. هو المتحكم بباب هذا العالم، وهو الوحيد الذي يأتي من ذلك العالم الآخر.. الكون الواسع الذي يجهله الصغير.. حيث كل ما يقع في التلفاز يصبح حقيقياً.. الأشخاص والحيوات والكائنات والجغرافيا .. لتفهم الآن لماذا لا يكون قرار الخروج إرادياً؟ ولتعرف معنى النماذج المختلة التي قد يفرزها ذلك العالم، متى ما اكتشفت أن هذا الرجل خطف الفتاة ذات السبعة عشر عاماً وخبأها في هذا الكوخ المنعزل مدة تقترب من سبع سنوات، أنجبت أثناءها هذا الصغير .. وبعد إدراك هذه الشابة نفسها أمام أسئلة الصغيرة الآخذة بالنمو الخطر على حياتيهما في هذا الفخ الضيق، تنسج معه خطه محكمة للفرار من عالم الغرفة القاتم .. وينجحان بذلك، فهل تكون النهاية السعيدة هنا؟ يستمر العمل بعد الخروج من الغرفة بتقديم أفكاره التأملية من خلال الصغير .. صوته الداخلي .. ما يلمسه .. ما يراه .. ما يشمه، في حين ينحسر دور الأم التي كابدت لتحرير نفسها وحماية صغيرها مدة سبع سنين، والتي ظنت أن الخروج ذاك هو آخر المطاف والطريق الأكمل للسعادة، لتلفها مباغتات تغير العالم الخارجي وتغير مفهومها الذي كونته عن العائلة .. تربكها العيون المستنكرة، التعاطف المبتذل، وشعورها المتفاقم بالذنب، كأنها ارتكبت خطيئة مبطنة .. فتنهار بعد فشلها أمام الحصول على تلك السعادة التي تخيلتها .. تحاول الانتحار وتتوارى في محاولة استشفاء جديدة .. فيما يكمل الصغير تأمله البارع مشيراً إلى كون ما يحدث الآن، خارج غرفتهما الصغيرة، هو أن العالم تمدد فيما أخذ الوقت يضيق .. كل أولئك الآخرين الذين يحيطون به بدؤوا مثله من غرفة ما .. ثم ها هم يلهثون لمجاراة التمدد والوقت. هم دائماً يقولون: هيا .. بسرعة .. يجب أن ندرك وأن نصل .. إنهم يحاولون الفرار من العودة لغرفتهم تلك .. يحاولون أن يصلوا إلى السعادة .. ولكن هل تكون هي تلك السعادة حقاً؟ عمل «غرفة.. Room» هو بمثابة تحريض عميق على العودة إلى تلك الغرفة الباهتة الأولى التي بدأ منها تشكل ذاتك، قبل أن تشتتك أضواء العالم، لتراك مسرعاً حتى تستطيع أن تمسك بتفاصيله التي تقول لك إن السعادة دائماً على الضفة الأخرى .. خارج النافذة .. وقد تكون كذلك فعلاً، إلا أنك لن تستطيع تحقيقها إذا كنت فاراً أو مرتاباً أو مرعوباً من اكتشافها بعيون ذاتك، حريصاً على استكشاف غرفتك الصغيرة الأولى التي تكون فيها أنت .. ولا أحد عداك. [email protected]
#بلا_حدود