الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

أسميتها خلود

كلما راوغتْ طفلتها ذات السنة وأخذتْ من بين يديها الأشياء الخطرة التي تلتقطها من على الطاولة، عادت والتقطت ما هو أخطر منها، سكينة، شمعة ضخمة داخل آنية زجاجية، علبة فازلين مفتوحة، قلم رصاص حاد .. وتطول القائمة. تنهدت وجلست أمامها على الأرض، وراحت تتحدث إليها: «اطمئني لن أنتزع الأشياء من يدكِ، فأنا أقدّر اختياراتكِ وأحترمها، ولكن أريد منكِ أن تعلمي أني هنا على الأرض قبلكِ بثلاثين سنة، وأنت لم يمض على مجيئك سوى سنة واحدة! لذلك أرجو أن تتقبلي مني حمايتي لكِ». كلمة الثلاثين عصفت بذاكرة الأم فتطايرت أوراق الذكريات أمامها سريعاً، كانت ثلاثين سنة حافلة بالأسى والحزن والمعاناة والوحدة والخيبة، في ظل عائلة قاسية متحكمة، شح الصديقات بل انعدامهن، تجربة حب فاشلة، نعوش الأحلام العديدة، طموحات كبيرة مُزعجة لحوحة أجهزت عليها إرضاءً للمجتمع، اختارت أن تختنق ليتنفس المجتمع ويمد قدميه. لم يحدث أن تمنت لنفسها عمراً مديداً، لكنها الآن وهي تنظر إلى تلك العيون البريئة، تشتهي أن تعيش حتى تراها أماً، هذا ما يفعله مجيء الأطفال في حياتنا، يدفعوننا للحياة حين نكون قد قررنا التوقف. التقطت طفلتها القلم مرة أخرى، وحين اقتربت للتفاوض معها، شعرت أنها لا تختلف عنهم، هي تقمعها ولكن بطريقة ديموقراطية. أحضرت ورقة وراحت تمسك بيد طفلتها وترسم لها سماء وغيمة وثيرة كبيرة، أشارت لها وسط الغيمة، وقالت لها «ضعي أحلامكِ هنا دوماً، ستكون في مأمن، على الأرض وحوش كثيرة تضطهد الأحلام» .. «ولذلك أسميتكِ خلود». [email protected]
#بلا_حدود