الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

«لم تزبط معنا»

هؤلاء الذين يشعرون بالإحباط والعجز معك فيُضحكونك، هم «البخت» في أي بقعة يحلون، القوة الناعمة التي تطوّح وترفع وتفضح وتصدح وتتلقى «القفا» بحب وتعطيه بحب مقابل. السخرية هي «فن المدينة» كما يحكي وائل عبدالفتاح، حالة قد تحبها أو ترفضها، قد تطلب تخفيف نغمتها الحادة، لكن ليس من حقك إلغاء مصدر ترويح الناس هذا لو كنت في موقع مسؤول، دعك من أنه لن يتحقق لك مثل هذا الخنق اليوم في فضاء مفتوح. الشاب الذي ظهر بمقطع «لم تزبط معنا» الشهير، عبقري بالمناسبة، وهو من نوعية مشاكسة تحب أن تعلم بأنها موجودة في أي مجتمع، وسط العطانة الفكرية، والفوضى الاقتصادية، والعته السياسي، والفساد الإداري، والاضطراب الاجتماعي، فإن هذا الشغب العامّي مندوب، ليس فقط لأن المقطع ظهر ببراعة ومزاج، بل لأنه مع ما يشبهه من مقاطع منتخِبة لبعض ظروف عيشها بعناية أفرغت فيها جرعات من السخرية على رِدّة المجتمعات التي كان جيل بأكمله شاهداً عليها. هذه المقاطع بمنزلة شكل تمردي مسالم على الكارثية الفكرية التي حدثت قبل تجليات هذا النضج. وفي الواقع فإن السخرية بالفيديوهات من حالات خاطئة هي «بوب آرت» متحرك خفيف الوزن، يمكن أن تراه كثورة عنصرها الوحيد الاشتباك اللساني، السخرية تعري ما اعتبرته أنت قدسياً أو ترميزاً محكماً أو مصفوفاً بثبات، يأتي الساخر ويحرر أحد هذه الحالات من حافظته أمام عينيك ليريك مدى السخف والقصور والبلاهة فيه، تنتبه إليه فينكمش في عينيك ما توهمته حقائق أزلية، أو نظماً فائقاً، أو رموزاً مؤهلة لكسب توقيرك الأزلي، يخسف الساخر بكل ذلك ويعيد ترتيب الخانات، وتتلقى أنت صدمتك المعرفية وأنت تضحك. [email protected]
#بلا_حدود