الخميس - 23 سبتمبر 2021
الخميس - 23 سبتمبر 2021

بين ذاكرتين

عامٌ في الغد يطوي صحائفه وعام يفرد جناحيه لا أدري إلى أين سيأخذنا؟ ما إن يوشك العام على طيّ سويعاته الأخيرة حتى أجدني أغرق في لجة نستولجيا تأرجحني بين ذاكرتين، ذاكرة من رمد ورماد، قابلة للتمدد، كأطماع وجشع الإنسان، لكني لا أتمنى فقدانها من خزّان ذاكرتي، هكذا أتمناها دائماً تنبض فيّ لا تهدأ ولا تخبو، تدق أجراسها كلما أوشكتُ أن أُعيد ذات الخطأ وذات التجربة المُرة. وذاكرة موازية أتمنى ألا تسقط مني أيضاً، صغيرة بحجم الكف، لكنها بيضاء ونقية وجميلة، خطفت مدارات حياتي كومضة، حرثت فيّ وزرعت وحصدتها خيراً ومحبة، حتى غدت شرفتي التي ألجأُ إليها كلما ضاق المدى، وخبا نور البشر، بكل ما أُتيت من وفاء أحاول ألا تهرم، أنفخُ فيها من روحي كي تبقى صامدة ولا أعطيها ظهر النكران الموصوم بآفة النسيان. ذاكرة من ضوء، ما إن أفتح مزلاج نافذتها حتى يملأني شعاعها بالدفء والأمل والطمأنينة والسلام النفسي، وبأني كم كنتُ محظوظة بكل ما فيها، أستذكرها بحب وحنين كلما عجزتُ في وحدتي عن إيقاد شمعة في وجه الظلم والظلام. فأنا كائن يخشى التنكر لأشيائه الجميلة الغالية القليلة الأثيرة حتى في غيابها، وكيف يُبقيها متصلة بسلسلة من وفائه وحنينه وامتنانه، لتبقى مزهرة ومؤثرة وشاخصة في حياته. يجتهد بتعب أحياناً كثيرة على إيقاظ ذاكرته المؤلمة المرّة، وإبقائها كالوشم الأسود، ليس تعذيباً لذاته، بل لتبقى شاهد إثبات على عذاباته وأوجاعه وساتراً يحميه كلما أوشك على الوقوع في شبيه آت. في ليلة العام الجديد، بين ذاكرتين تلهج روحي ومشاعري بين وجوه لا تشبه إلاها، هي أثمن حصاد العمر، هكذا عرفتها مذ أن التقيتها أول مرة مجللة بنقائها محجلة بعطر الجنة ونبل الفروسية، لونها الخير وزادها المحبة، لم تخضع لمقاييس الزمن الجديدة. إلى الأحبة في عامنا الجديد: وأنتم القلّة بعدد ما مرّ العمر من فرح .. كثيرون بقلبي كالمطر.. أثيرون بقلوبكم التي لم تبخل يوماً عن احتضاني .. في لملمة أنّاتي وأوجاعي .. في هدهدة قلقي وهواجسي .. من زرع الفرح والأمل في روحي كلما ضاقت حدقة الحياة واتسع رتق الحلم والألم: كل عام وأنتم بخير، كل يوم وأنتم ملءُ قلبي. [email protected]
#بلا_حدود