الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

حيث لا ينفع الوصل

تدور عجلة الإعلام بأشكالها كافة وبكامل طاقاتها للحاق سريعاً وقبل غيرها بذلك الخبر الحصريّ الجلل الذي مفاده أن «فلان الفلاني» تبيّن أنه إعلامي وشاعر وأديب ومفكر ومثقف ومسرحي وموسيقي وصاحب الابتكارات وأبو الاختراعات والتنقيبات والنظريات، الرائد المؤسس في الفيزياء وعلوم الرياضيات واليوغا وخفة اليد.. و.. و.. كل تلك الاكتشافات وفائض المديح والإطراء بما أنجزه وما لم ينجزه، ما كنا لنعرفها لو أن المنيّة أجّلت موعدها في الوصول إليه. «فلان الفلاني» عاش نكرة بعيداً عن الأضواء وصخب المنصّات، وكأنّ الإعلام انتظر وفاته كي يمنحه ما يستحق من اعتراف وتبجيل وتوقير. وقد يذهب بعضهم إلى نسج الحكايات والأساطير حوله، عن شخصية خارقة للعادة كانت تعيش بيننا ولم ننتبه لكراماتها، فيصبح المنديل الذي مسح به جبهته أثراً يتباركون به، ويتحول بيته إلى مزار أو متحف، وتصبح آثاره الأدبية بين ليلة وضحاها فتوحات عظيمة، حملت من الإثراء والاختزال والبلاغة والصور والدلالات والإرهاصات والمقاربات والحمولات ما لم يحمله ولن يحمله أي عمل أدبي آخر. «فلان الفلاني» الذي يلهثون وراء أدق تفاصيل حياته، قضى عمره وهو يحاول إقناع أولئك اللاهثين بأفكاره ومواهبه وأحقيته في نيل نصيبه من الضوء. «فلان الفلاني» لا يُطرب.. آلاته قديمة.. صوته نشاز وعورة.. لا كرامة له في حياته.. ذهب بغصّة عميقة على ما قدّمه من منجز ما جاد عليه الإعلام بالتقدير والوصل إلا بعد مماته.. «حيث لا ينفع الوصل».
#بلا_حدود