الاحد - 01 أغسطس 2021
الاحد - 01 أغسطس 2021

الفاشينتستا عفاري

كثرة الأوهام والعيش خارج قالب الحياة الاجتماعية الطبيعية تجعل المرء يتصور ما ليس له فيه من شيء، ويكسب بذلك كل ما يرغب به. هذا ما أدركته عفاري وهي في مقتبل العمر، حين اصطحبتها خالتها الخمسينية لاحتساء القهوة مع صديقاتها في مركز للتسوق، مستمتعة بأنها ستتمكن من كسب الخبرة منهن بعد خدمة عملية طويلة حتى تقاعدن. أخذت إحداهن هاتفها لتلتقط صورة فنية لأكواب الشاي، وتضع قصيدة شعر غزلية اقتبستها من العم «غوغل»، وأضافت عناوين حسابات اللاتي معها، وسألت عفراء عن حسابها؟ الدقائق تمر، وهاتفها لا يتوقف عن الوميض، ورسائل تشير بطلبات الإضافة لمتابعة صفحتها الخاصة في برنامج إنستغرام، وهي تستمع لجليساتها، وهن يضحكن ويعلقن على معجبيهن في وسائل التواصل الاجتماعي، فتعجبت عفاري، وأخذت هاتفها لتتفاجأ بعدد المتابعين كيف زاد لمجرد ذكرهن أنها معهن. راحت تقرأ أسماء اللاتي معها، «نور عيني»، «ملاك الحب»، و«مالي شبيه».. ولا يضعن صورهن، بل ينشرن صور كماليات، وكأنهن يعشن ببذخ ورفاهية، وبها كلمات حنونة، ونادراً ما يصورن ملابسهن وأطراف أياديهن ليثبتن أنهن نساء. سرحت في الكلام العذب الذي يكتب لهن، فسألت خالتها: أعطيني وصفتك السحرية. فابتسمت، وأدخلتها أحد المحال الفاخرة، وصورتها مع حقيبة ثمينة، ونشرت الصورة في حساب عفراء كاتبة «شكراً على الهدية»، ثم غادرتا المحل، وقالت لها أنت في أعين الناس تملكين تلك الحقيبة، وبإمكانك الحصول على ما ترغبين به، وذلك هيبة. تعلمت عفراء الدرس، وأظهرت أنها من خبراء الموضة والأزياء، وتتصور بأفضل الألبسة في زاوية تغيير الملابس فقط. وتركب أفضل السيارات واليخوت، وفي الطائرة حرصت على أن تكون أول الراكبين لتصور مقعد الدرجة الأولى، ومن ثم تذهب للخلف، وتكتب أسفل الصورة رحلة نقاهة لأيام. متابعوها يزدادون بصورة جنونية، وأصبحت حديث الناس والإشاعات وراحت الاتصالات تتوالى. دعوات لحضور منتديات وفعاليات، وأخرى لتناول وجبات مجانية في مطاعم فاخرة، ومحال ملابس تعرض عليها بعض الفساتين، ومصممات العبايات يهدينها آخر تصاميمهن، حتى إن صديقاتها لا يجدن من يجيب على الهاتف حتى يئسن. مرت الشهور كالسراب حتى قلت الاتصالات والدعوات، والكلمات الجميلة في حسابها، وبدأ الناس بكشف ألاعيبها، فانعزلت، ولكن أسرتها والجيران لم يتركوها، وحاولوا البقاء معها ليخرجوها من جنونها. الخيال لا يزال يحاصرها، فهي محبوبة الجماهير وآلاف الرجال يتمنون الزواج بها. فكرت جارتها أن عفاري قد تصلح زوجة لابنها الشقي درويش، وأخبرته أن عفراء بنت الجيران جميلة، وذات خلق، فلم لا نخطبها لك. فضحك وقال اتقي الله، فمن أين لها بكل هذا البذخ من شنط وفساتين، أو اسألي من كان يصطحبها بأفضل السيارات واليخوت والسفرات! [email protected]
#بلا_حدود