السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

إكسكيوزمي

تخيل وأنت تمشي في حديقة عامة ويصادفك كرسي خشبي تحيط به الزهور الزاهية محفور عليه (هنا جلس الأديب الفلاني، في عام ..) لعام يعود تقريباً لأكثر من 200 سنة، أو أنك تمشي في وسط مدينة، وفجأة على طريقك تشاهد خطوطاً عميقة طول الواحد منها ثلاثة أمتار تقريباً، وعرضه لا يتجاوز الخمسة سنتيمترات مغطاة بزجاج سميك جداً ومنقوش عليه (هنا كانت ترسو السفن في القرن السادس عشر)! وعلى بُعد مسافة بسيطة، تلمح في زاوية جدران أحد البنوك حجراً كبيراً نوعاً ما، ملتحماً بالحائط وكأنه توأمه، يبدو قديماً جداً بهيئته المكوّنة كمقعد للجلوس، تعلوه لوحة معدنية محفورٌ عليها (هنا كان يجلس حارس الميناء) ويوافق زمنه كذلك تاريخ الخطوط العميقة العائدة للقرن السادس عشر. أو تخيّل أنك تجلس خارج أحد «الكافيهات» العامة، وعلى بُعد متر ونصف تقريباً منك، وتحديداً على المساحة المزروعة بينك وبين الطريق العام يوجد قبر يعود إلى القرن الثامن عشر ومسطرة عليه قصة صاحبه باختصار، طبعاً لن يكون قبر إنسان عادي. وأخيراً.. تخيل أنك تخطو في منطقة جميع شوارعها وطرقاتها ومساحاتها تنطق تاريخاً وتوثيقاً ومعلماً ورسماً وتمثالاً وحروفاً وسطوراً تعود إلى مر العصور، وتجسد رموزاً في شتى المجالات. كل هذا بالنسبة لي لم أتخيله، بل رأيته ولمسته وتمعّنت وحتى شممت رائحة تاريخه في آخر زيارتي للندن وضواحيها منذ أيام مضت. أبهرني حقيقة دقة التوثيق في هذا البلد، فالتوثيق فيها كأنه عنصر مهم من عناصر الحياة، توثيق وتأريخ تتغنى حروفه بقيثارة عصور التاريخ، بلد تتقدّس في لبّه وجوانبه أحداث الماضي وشخصياته، لتجرّك على خطوات الفضول لتزور وتكتشف ما تضمه متاحفها والتي هي الأخرى قصة ثانية من الإبهار والتشويق والإمتاع والتفكّر. [email protected]
#بلا_حدود