السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

بين السذاجة والخيانة

بعض سير الحياة يمكن اختصارها في عبارة واحدة.. وقصة الكاتب الإنجليزي الساخر بلهام وودهاوس تختصر بمقولة «سوء الظن عيب الأحمق والسذاجة عيب العاقل». وودهاوس كاتب مرموق من أشهر كتاب الكوميديا الساخرة في الأدب الإنجليزي، أعماله الأدبية تجاوزت الخمسمئة، وتنوعت بين المسرحيات والروايات والأشعار والقصص القصيرة. أثرى الأدب الإنجليزي بحصيلة ضخمة طيلة سنوات عمره الثمانين. عبقري يشهد له النقاد أنه كان أكثر كتاب القرن العشرين فكاهة.. والفكاهة لا تتأتى إلا للعباقرة. إلا أن عيب هذا العبقري أن فكاهته أوقعته في سذاجة كارثية. وقع في الحرب العالمية الأولى بيد الألمان، وخرج بعد أن أتم الستين من عمره ليوضع تحت الإقامة الجبرية، وعندها كتب خمسة بيانات وعبر الموجة القصيرة للإذاعة الألمانية الموجهة لأميركا، أذاعها بصوته وبأسلوبه الساخر المعتاد ليحكي لأصدقائه عن وضعه كسجين بريطاني في السجون الألمانية مندداً بالمعاملة التي لاقاها على أيديهم، وكانت تلك غلطة الشاطر. لحسن حظه كما ظنّ هو سمح له الألمان بإذاعة تلك البيانات ربما لأنهم لم يفهموا الكلمات بين السطور.. أما في بريطانيا، ولسوء حظه، لم يكلف أحد نفسه مشقة البحث والتدقيق بمحتوى تلك البيانات، بل تناقلوا خبر خيانته، ليكلفه ذلك ملاحقات وتحقيقات واعتقالات جديدة، ووصمة عار لتهمة لم يرتكبها: تهمة الخيانة لتعاونه مع الإذاعة الألمانية المعادية. غلطة وودهاوس الساذجة وإن كانت عبقرية في نظر البعض كلفته سنوات طويلة من عمره يدافع بها عن نفسه.. إلى أن كرمته الملكة ومنحته لقب فارس، وهو على مشارف الثمانين. بالمثل.. ومن قبل معرفة ما قاله؛ يُتهم أمين معلوف بالخيانة والسقوط لظهوره على الشاشة الإسرائيلية، وإن كان مجرد الظهور على شاشة معادية تهمة لن تزول بسهولة. غلطة وودهاوس، غلطة عبقري أدان العدو من منصته، هل تكون غلطة معلوف كذلك؟ هل هي ساذجة يستحق التكريم عليها؟ أم إنها حقاً خيانة؟ علينا أن ننتظر أكثر. لأن التروي وفهم ما بين السطور واجب في زمن الهويات القاتلة، فالشك عيب الحمقى والسذاجة عيب العقلاء. [email protected]
#بلا_حدود