الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

الاختيار الصعب

ماذا تفعل النوارس إن ضاق بها فضاؤها، وتنسّر عليها بُـغاثها، وكثر عليها المتربّصون لقتلها؟ ماذا تفعل الأقلام الحرة إن حُطمت أصابعها، وصار مدادها دماً؟ ماذا تفعل الأفواه المطالبة بأدنى حقوقها إن كُمّمت حتى الاختناق؟ ماذا يفعل وطن إن تحوّل إلى مزرعة خاصة لثُلّة من العلق تمتص الدماء بلا ارتواء؟ أليس من حقهم جميعاً أن يشعروا بإنسانيتهم التي جُبلوا عليها أحراراً؟ في زمان القمع والديكتاتوريات، وكبت الأنفاس ووأد الأحلام، تصبح هذه الأمور من المحرّمات، ومن يتعدّ ما فُرض عليه يصبح خبراً محذوفاً، ورغم كل ذلك أبت النفوس الحرة إلّا أن تعبّر عن حبّها وانتمائها لأرضها حتى لو دُفنت حية في رحمها لتكون بذرة حب ووفاء لأجيال مقبلة ولن تتأخر بالمجيء. نفوس وفية لسمائها حتى لو تلبّدت بأشد الغيوم حلكة، وعاثت فيها طيور الظلام فساداً، وأمطرت من يتجرأ على النظر إليها بنيران غدرها وبحمم حقدها. نفوس وفية لحقول القمح المروية بماء فراتها، وبعبق ياسمينها وشذا نرجسها، وأصص الفل المزينة الشّرُفات على عموم الوطن. نفوس كلها وفاء لذكرياتها المطلة من قاسيونها، والمُثلجة للصدر من ماء فيجتها، والشامخة كعمود مرجتها، وبخطواتها الأثيرة في صالحيتها ودبلانها، وتللها، ومنصورها، وساحة نواعيرها، والراقصة طرباً فوق جسرها المعلَّق الذي يئن موليّة مع صفصافها. نفوس أبت إلّا أن تحمل ما استطاعت من ذكريات لا تنسى، لكنها غُمـست ببحر من الآلام وعُمّدت بالنابلم، مصحوبة بصراخ الأطفال المفزع، وعويل النساء الثكالى وقهر الرجال. من بين براثن الموت، وأزيز الرصاص، وهدير الدبابات، ووقع براميل الموت الأعمى، كان لابدّ أن يتنكّب أصحاب هذه النفوس الحرة الأبية أقلامهم متحمّلين نتائج اختيارهم. كاتب وقاص
#بلا_حدود