الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021

بلال .. عمل جبان أم ملهم؟

قبل ربع قرن عاصرت محاولات جادة لإحداث اختراق نوعي في مجال الإعلام الرقمي على يد مبدعين من المملكة العربية السعودية بإنتاج أفلام كرتونية لاقت رواجاً عربياً، كالفاتح، وأسد عين جالوت ولكنها لم تحقق اختراقاً عالمياً مثل «لاين كينغ» أو «توي ستوري»؛ لأسباب منها ضعف الجودة الفنية وحصر التسويق والعلاقات في إطار العالم العربي والمكتبات ذات الطابع الإسلامي، ثم لاحتوائها على رسائل مباشرة لا يفهمها سوانا. لكن لولا تلك البدايات ما أحدث المبدع أيمن جمال اختراقاً عالمياً عبر الفيلم الكرتوني «بلال»، وكونه سعودياً هو برهان آخر على حاجة الإبداع إلى بيئة خصبة مهدت لها تلك البدايات. والإبداع يحتاج بنية تحتية تدعمه كي يقف على رجليه وينافس، وهذا ما وفرته الإمارات باحتضانها استوديو «بارجون انترتينمنت» في دبي ذات الحضور العالمي، في صورة جميلة للتكامل العربي. قبل أيام حظيت بفرصة مشاهدة الفيلم مع عائلتي. كان مدهشاً من الناحية التقنية، ويتفوق على كثير من المنتجات العالمية وكذلك الإخراج والمؤثرات الصوتية، واشتراك نخبة من الممثلين العالميين، وتعاون الممثل الأمريكي ويل سميث. يبدو أن الفيلم تجاوز أغلب المعوقات نحو العالمية، وتناسبت الرسالة مع عقلية المستهدفين الغربيين. وهذا تحديداً سبّب الكثير من الجدل بين الجمهور العربي، ووجّه البعض انتقادات لاذعة إلى حد وصفه «بالعمل الجبان»؛ لأنه تجنب ذكر لفظ الجلالة أو اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو حتى ذكر المسجد! وهذا ما دعاني لمشاهدة الفيلم، فوجدت ذلك صحيحاً مع مغالطات تاريخية كان بالإمكان تجنبها دون إخلال بالحبكة الدرامية كقتل سيدنا بلال لأمية بن خلف. والغريب أن الموسيقى التصويرية غلب عليها الطابع الغربي بمسحة أفريقية مع غياب للموسيقى العربية، رغم التأثير العميق والممتد الذي تحدثه الموسيقى في وجدان المتلقي. لكن من الظلم وصم الإنجاز بالجبن، بل أجده عملاً شجاعاً وذكياً وذا رؤية بعيدة، ويمتلك قدرة لافتة على قراءة العقلية الغربية وفهم مزاجها، مع احترام المشاهد وتجنب مصادرة أحكامه وخياراته بفرضيات وأحكام مباشرة. فالعمل لم يخلُ من ذكر أسماء مدن معروفة بهويتها العربية والإسلامية كمكة والمدينة، وأسماء شخصيات إسلامية كأبي بكر وحمزة إضافة إلى أمية وابنه وغيرهم، فضلاً عن شواهد على البيئة كالصحراء والجمال. واختتام العمل بمقطع من الأذان دلالة كافية لمن له عقل ووجدان حي ليكتشف بنفسه الرابط الوثيق بين مفاهيم الحرية والعدالة التي تمثلت في سيرة بلال وتعاليم ديننا العظيم. أتمنى عليكم تجنب الأحكام المسبقة وفتح عقولكم وقلوبكم لمدة مئة وخمس دقائق فقط لا غير. [email protected]
#بلا_حدود