الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

مغالطة رجل القش

عبر مختلف العصور كان الفلاحون يصنعون من الملابس القديمة المحشوة بالقش دُمى تستخدم في أغراض عدة، منها منع الطيور من السطو على محاصيلهم، وتدريب الرماة على إصابة الأهداف، وتشتيت انتباه الثيران الهائجة عن المصارعين المصابين داخل الحلبة .. إلى آخره. ويمكن أن نختصر دور رجل القش هذا في أنه الإنسان البديل الذي عليه أن يحل محل الإنسان الحقيقي في المواقف الخطرة والصعبة التي تتطلب الكثير من الفدائية والصبر، ولكن إن حدث وهاجمه أحدهم فإنه بالتأكيد لن يقوى على المقاومة وسيسقط على الفور. إلا أن الفلاسفة وجدوا له استخداماً جديداً لا يخلو من الذكاء، فجعلوا منه عنواناً لأسلوب واسع الانتشار من المغالطات المنطقية التي يستخدمها الكثير من الناس في حواراتهم مع خصومهم دون أن يفطنوا إلى ذلك. هل سبق لك أن قلت لأحدهم إن وجه المرأة هوية لها، ولا يمكن أن يكون عورة تستوجب التغطية والستر، فرد عليك غاضباً وبصوت مسموع للجميع «كيف تجرؤ على مطالبة المسلمات بالتعري؟». نلاحظ هنا أن الخصم لجأ إلى تحريف كلامك كلياً، وذلك ليوقعك في الخطأ رغماً عنك، فيتمكن بعدها من إضعاف موقفك والانتصار عليك بسهولة. ولإضعافك أكثر يبحث المغالط عن شخصية يسهل انتقادها تتبنى الرأي نفسه، ليضعف موقفك من خلال ربطك بها، وهنا يمكن استنتاج سبب ربط هذه المغالطة برجل القش. في المثال السابق أنت لم تطالب المسلمة بخلع حجابها أو إظهار مفاتنها، وكل ما فعلته أنك دافعت عن حقها في إظهار وجهها، وهو حق يكفله لها الشرع والقانون، ولكن المغالط لا يريد أن يفهم ذلك. ولو تأملنا الحوارات التي تنشأ في حياتنا اليومية، لوجدنا رجل القش حاضراً في معظمها، ومتى حضر رجل القش في أي حوار كان من الحكمة الانسحاب منه فوراً، فما أصعب أن تحاور خصماً كاذباً، غير أمين في طرحه، لديه الاستعداد لتقويلك ما لم تقله، فقط ليثبت أنك على خطأ؛ أما البحث عن الصواب فهو خارج أولوياته وربما لا يفكر فيه أصلاً. [email protected]
#بلا_حدود