الخميس - 23 سبتمبر 2021
الخميس - 23 سبتمبر 2021

الغربة كقرار أبدي

في رواية «الرحيل» للأديب الفرانكوفوني الطاهر بن جلون.. نحن أمام حالة من اليأس المتراكم لذلك المهاجر المغاربي الذي يشعر بأن وطأة اختياره للاستقرار في أرض المهجر قد ظهرت وهو يشارف على عقده الخامس من العمر.. مع تقاعده تحديداً.. لأن التفاصيل الغريبة التي كان يستطيع أن يبقيها بعيداً عن الملاحظة باستغراقه في العمل الكثيف والمرهق أخذت بالتضخم بعد أن بات جل وقته متاحاً لهذا التأمل.. في عائلته في جيرانه وفي هذا البلد الذي يقطنه والذي يكتشف لأول مرة بعد 30 عاماً تقريباً كم هو غريبٌ عن كل ما فيه .. بمن فيهم نفسه.. وهو ما يحمله على حزم حقائبه عائداً إلى وطنه الأم في مغامرة غير محسوبة.. لتباغته هناك غربة أكبر.. فلا شيء يبقى كما هو في ذاكرته قبل 30 عاماً ولا أحد حوله يعامله باعتباره شخصاً ينتمي لهذا المكان، هو الذي حصل بحكم المدة على أوراق مواطنة أرض المهجر التي استقر بها. على جانب آخر من العمل.. استعرض بن جلون نماذج أخرى تشعر بالاغتراب، رغم أنها لم تغادر أوطانها كأقارب بطل الرحيل الذين يشعر بعضهم بأنهم ينتمون لمكان آخر يوفر لهم شروط الحياة الكريمة، فيما يأتي نقيض ذلك في بعض نماذج أبناء بطل الرواية الذين رغم ولادتهم وتمازجهم العام مع الوطن الجديد الذي اختاره والدهم.. إلا أن كثيراً ما يتم التعامل معهم باعتبارهم عنصراً دخيلاً.. وهم في وطن جذور والدهم يتم النظر إليهم بالصفة الدخيلة ذاتها.. مما يضعنا نحن القراء في حالة سؤال دائم عن الوجود الذي سيشعر أخيراً أبطال العمل بالانتماء إليه وهو ما يخذلنا بن جلون منه عندما ينهي العمل بدون إجابة واضحة.. تخبرنا بشكل دقيق كيف انتهت إليه مشاعر شخوص الرواية. لعل الغربة هي قرار.. قرار يتخذه عقلك اللاواعي ليلفك دائماً ذلك الشعور المبهم بأن هناك مكان آخر بانتظارك.. يستحقك وتستحقه.. وعليه فإنك لن تصل أبداً لتلك الضفة، لعلها مكانٌ بحد ذاتها أيضاً، تلك الغربة.. مكانٌ ذهني ينفى إليه أولئك الذين يتنصلون في بعض الأحيان من كل ما يتغير على هذا العالم.. منذ الهجرة الجماعية الأولى التي اتخذها الكائن البشري.. متوزعاً على القارات.. هذه الغربة التي تجعلك كائناً هامشياً دائماً.. عاجزاً عن التفاعل مع مكانه ولمكانه في زمانك الحاضر.. ليكون الرحيل الدائم عندها.. هو الهرب.. وليس البحث عن الذات.. وبينهما الفارق حاسم وكبير. [email protected]
#بلا_حدود