الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

أغلب الفتاوى الشاذة تصدر من غير المتخصصين في الفقه .. والمناهج تحتاج إلى تطوير مستمر

هو واحد من هيئة كبار علماء الدين في دبي، وهب حياته منذ نعومة أظافره لحفظ القرآن الكريم والتعليم الشرعي على يد والده، ثم تدرّج في تلقي مختلف العلوم الفقهية من نخبة علماء أجلاء في رحاب الحرمين الشريفين حتى نال فضيلة الدكتور محمد عبدالرحيم سلطان العلماء درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله ليجسد لقبه فعلاً وقولاً بوسطية الإسلام، ويصير واحداً من أبرز العلماء الإماراتيين ودعاة الأمة الصادقين. التقته «الرؤية» فأفادها بأن العلماء الربانيين موجودون في كل مكان، لكن للأسف تأتي الخشية من علماء بعيدين عن واقع الناس وهمومهم، مؤكداً وجود علماء آخرين دخلوا في الحياة المجتمعية وربما انجرفوا لتأخذهم بهجة الدنيا فصاروا يُطوعون النصوص الشرعية لتجويز أمور لا يُقرّها الشرع. وأوضح أن بعض العلماء لا يتوفرون على شروط الإفتاء ولا يمتلكون في قاموسهم اللفظي عبارة «لا أدري»، لافتاً إلى أنهم يجيبون المستفسرين عن الأمور كافة وبعضهم لا يمتلك ثقافة دينية واسعة تُلِم بسائر الأحكام الشرعية للإسلام والمسلمين. وأبان العلماء أن أغلب الفتاوى الشاذة تصدر من غير المتخصصين في الفقه، لافتاً إلى أن بعض القنوات الفضائية استغلت تعطّش الناس وحبهم للدين فنصبت كل من حفظ حديثين أو قرأ كتاباً أو سمع شريطاً شيخاً للإسلام والمسلمين. وأردف العلماء أن الافتاء يصدر بناء على مذهب المستفتي، حتى لا تحدث لعوام الناس بلبلة، ومعروف أن العامي مذهبه مذهب من يستفتيه ولا يلزم عليه شرعاً أكثر من ذلك، مبيناً أنّ العامي إذا وجد شخصاً ذا علم وتقوى وورع فإنه يستفتيه ثم يعمل بما أفتي به، ولا يلزمه شرعاً أكثر من ذلك. وحدد العلماء شروطاً للفضائيات عند مناقشة الأمور الشرعية، منها توعية الناس بأمور دينهم، واستضافة المتخصصين، مشدداً على أن تكون برامجها لتأليف قلوب المسلمين واجتماع كلمتهم، لا أن تفرقهم وفق ولاءات حزبية أو خدمة لانتماءات طائفية ومذهبية. وأوضح العلماء أن الإسلام يدعو إلى الوحدة واجتماع الكلمة وعدم الاختلاف عملاً بقوله تعالى «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» وامتثالاً للآية الكريمة «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، واصفاً اختلاف مذاهب العلماء بالنوعي والمُفيد بعيداً عن التضاد والتناقض العميق. واعتبر تعدد المذاهب أمراً طبيعياً من الناحية العلمية، وأن الاختلاف الحاصل مأذون فيه شرعاً لأنه مبني على الاجتهاد، مؤكداً أنه أثرى الدين الإسلامي فقهاً وفكراً، إذ وفر تعدد الاجتهادات والآراء مخرجاً لمعضلات كثيرة. وأبان العلماء أن الأمة الإسلامية عاشت أربعة عشر قرناً بهذه المذاهب واختلاف الاجتهادات، مُذكراً بأنها شكلت مصدر عزّ ورقيّ وتطور لها في جميع النواحي، لأن الاختلاف في الفروع مستساغ شرعاً، ولا يدعو إلى العصبيات. وثمن في السياق ذاته المنظومة القانونية الإماراتية لاستنادها إلى مرجعية الشرع بنسبة تجاوزت 90 في المئة، ولفت إلى أن قوانين الدولة تُستمد من القول المعتمد، والقول المرجوح حسب المصلحة، خصوصاً أن «الحلال بين والحرام بين». وأشار إلى ضعف الثقافة الشرعية لدى الشباب في الوقت الجاري، واشتراك المسؤولية بين الأسرة والمجتمع والمناهج التربوية ووسائل الإعلام في تثقيف الشباب بها لحمايتهم من الانحراف، مؤكداً حتمية ربطهم بالله سبحانه وتعالى حتى يكونوا مواطنين صالحين يخدمون بلدهم ويسعون إلى رقيه، ولا يمثلون معاول هدم. وأفاد في السياق ذاته بأن خريجات كلية الشريعة أو اللغة العربية يواجهن صعوبات وعراقيل عدة تنحصر في أن تخصصهن غير متوفر في سوق العمل، ذاكراً أن مجالات عملهن كثيرة، لكن المسؤولين عن التوظيف لا يريدون أن يبذلوا جهداً، إذ ينظرون إلى أصحاب هذه التخصصات نظرة دونيّة، رغم قيمتها وحاجة الناس إليها. وطالب العلماء بإعادة النظر في المناهج التعليمية بصفة مستمرة، ليس بحذف ما فيها من علم وآراء متعددة، ولكن بأن تتغير بحسب حاجة المجتمع، وسوق العمل والحفاظ على الثوابت الشرعية والمسلمات، شريطة أن يأتي هذا التجديد من أناس مؤهلين لذلك. وأفاد بأن أهم ما يشغل باله في هذه الفترة هو كيفية الارتقاء بفكر الدعاة والمفتين لتقبل الرأي الآخر، والتماس الأعذار للناس، مشدداً على ضرورة ترسيخ الافتاء الذي يجمع الناس ولايفرقهم. وتالياً نص الحوار: ÷ هل الثقافة الإسلامية غائبة عن جيل الشباب؟ - لا أستطيع أن أقول إنّ الشباب بعيدون عن الثقافة الإسلامية، فالشباب في المجتمعات الإسلامية لهم حظ منها، قلّ أو كثر، حسب المجتمعات، نعم، إذا قارنّا بأجيالٍ مضت فحظ الشباب دون تلك الأجيال بكثير، ولاشك أنّ هناك عوامل جديدة دخلت وتركت تأثيرها، منها طبيعة العصر، وعوامل التغريب، والثورة المعلوماتية، والانشغال بالأمور الحياتية، وتقليد بعض المظاهر التي ليست من نتاج بيئتنا وغير مفيدة في كثير من الأحيان لكنها مما شاع في العصر وانتشر. وهذه الأشياء مع قلّة الجرعة المطلوبة من العلم الشرعي الصحيح تؤثر شيئاً فشيئاً في الناشئة عند الكبر، وإن وُجدت الثقافة الشرعية لديهم فهي ضعيفة بمستوى لا تقارن بالثقافة التي كانت موجودة في أجيال المسلمين السابقة. وكان الناشئة يبدؤون حياتهم أصلاً بالدخول إلى الكتاتيب يتعلمون القراءة من خلال القرآن الكريم وطريقة قراءة المصحف، ثم بعد ذلك يحفظون بعض السور، وليس على المسلم أن يحفظ كتاب الله كاملاً لأن الحفظة دائماً هم قلة، لكن عليه أن يحفظ ما يستطيع أن يؤدّي به عبادة الله. ثم ينتقلون شيئاً فشيئاً إلى بعض الأشياء البسيطة التي تنفعهم في حياتهم، ثم يدخلون إلى المدارس يتعلمون شيئاً من العلوم كل حسب رغبته. كما كان المجتمع عاملاً مؤثّراً في حياة الرعيل الأول؛ لأنّ البيئات كانت متجاورة ومتعارفة، ولم يكن ذاك الخلط بين الأقوام والأديان مثل عصرنا، إذ نعيش في مدينة واحدة بها نحو مئتي جنسية مثلاً، وكان الأب في الجيل السابق يربي، والأخ يربي، والعم يربّي، والجار كان ينصح ابن الجار إن ارتكب شيئاً خطأ، فالكل كان يساعد، لكن الآن للأسف فقدنا كثيراً من هذه الأشياء فأنت لا تستطيع أن تنصح ابن جارك، وربما لا تعرفه أصلاً ولا تشاهده سوى للحظات عابرة، فهذه الأشياء تؤثر بلا شك في ابتعاد الجيل الجديد عن المعرفة الصحيحة للشريعة الإسلامية، وربما يظنون أنهم على صواب، وقد يكونون على خطأ. ÷ هل من بين الأسباب التي تفضلتم بها عن افتقاد التربية الشرعية غياب العلماء الحقيقيين؟ بينما استأثر بالظهور في الفضائيات مَن هم غير مؤهلين لذلك؟ - لا نريد أن نكون من المتشائمين، ويجب دائماً أن نتذكر وعد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله «الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، وبالتالي العلماء الربانيون موجودون في كل مكان، لكنّهم قلّة، وهم بعيدون عن أجهزة الإعلام، والخشية تأتي من جانبين: الأوّل من علماء اعتزلوا المجتمع فراراً بدينهم؛ فهم بعيدون عن واقع الناس وهمومهم، ولذلك تأتي فتاويهم ومرئياتهم بعيداً عن واقع الناس، والثاني من أناسٍ دخلوا في الحياة المجتمعية مع قلّة زادٍ في العلم، وانجرفوا وربما تأخذهم بهجة الدنيا ويحاولون تبرير ما هو موجود أو تطويع النصوص الشرعية لتجويز أمور لا يقرها الشرع. ومن جهة أخرى فإنّ العتب على بعض أصحاب القرار في المؤسسات الإعلاميّة أو الإدارات المعنيّة حينما لم تقرب إلا أشخاصاً معينين، وأصحاب فكر معين أو توجه معين، ولاسيّما عند ما يكون الغرض فقط السعي نحو الإثارة، وليس السعي إلى معرفة الحقيقة وتوعية الناس بأمور دينهم، وهذا إشكال كبير. والآن عندما نلاحظ الذين يظهرون على الفضائيات، نلاحظ أن أغلب القنوات تستغل تعطش الناس وحبهم للدين فيأتي بأي واحد، وكثير منهم يظن نفسه أنه شيخ الإسلام، ولا يوجد في قاموسه مصطلح «لا أدري»، ويفتي في أمور لو كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حياً لجمع لها أهل بدر، وهو في الواقع يحفظ حديثين أو قرأ كتاباً، بل أسوأ من ذلك أن كلّ من سمع شريطاً ينصب نفسه أحياناً شيخاً للإسلام والمسلمين ويفتي في أمور يهابها المجتهدون، وأغلب من جاؤوا للفضائيات أو الذين أتوا بهؤلاء إلى وسائل الإعلام للأسف ردّدوا كلمة حق أريد بها الباطل، فحينما يرددون «الدين للجميع»، فهذه مقولة صحيحة، لكن الفتوى في الدين ليس للجميع. ونحن نحترم في حياتنا التخصصات، فلا يمكن أن تسمح أي جهة ما لشخصي أنا مثلاً بأن أعالج مريضاً – وهذا عين الصواب - فأنا لست طبيباً، ولا يمكن أن أصلح سيارة، أو باباً، فهذه ليست وظيفتي، ولا تدخل في نطاق تخصصي، والناس يحرصون في مجال العلاج على الطبيب الحاذق، وفي مجال بناء البيت على المهندس الذي اشتهر وله تصميماته ودقته في التصميم، إلا في جانب الاستفتاء والفتوى والدعوة فنريد أن نقبل الفتاوى والقول في الشرع من كل الناس وهذا مكمن الخطورة. ÷ معنى كلام فضيلتكم أن هناك مقومات للمفتي؟ - قطعاً، للإفتاء شروط وضوابط، والفقهاء ذكروا شروطاً ربما لو سمعها الآن أحدٌ ممن يفتي في الفضائيات وجدها شروطاً تعجيزية، وبالتالي سوف يتراجع عن الإفتاء، إذ لابدّ للمفتي من معرفة أحكام القرآن الكريم، ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومعرفة الحديث النبوي، إلى معرفة الناسخ من الحديث ومنسوخه، ومعرفة أقوال العلماء في هذا الحديث، هل هذا الحديث عملوا به، أو لم يعملوا به، ولماذا؟ لأن عدم عمل الأمة بحديث واحد رغم وصول هذا الحديث إليهم دليل على أن هذا الحديث منسوخ، أو مخصص أو مقيد، ولا يمكن العمل به على ظاهره، والأمة الإسلامية لا يمكن أن تجتمع على ضلالة، وعليه أن يعرف مواضع الإجماع ومواطن الخلاف بين العلماء، ثم معرفة اللغة العربية معرفة تمكنه من الوقوف على أساليب العرب، وفهم النصوص فهماً دقيقاً قائماً على سَنَن العربية. من هنا عندما نتحدث عن قضية ظهور غير المؤهلين للفتوى في الفضائيات الذين يتصدّون لقضية الفتوى لأنهم لم تجتمع فيهم عُشْر معشار ما ذكرنا، ولو نظرت واستقصيت في هذه المسألة لن تجد فتاوى شاذة صدرت، ولا سيما في السنوات الأخيرة إلا وتجدها صادرة من غير مؤهلٍ لم يتدرج في سُلّم التفقه، ولا يمكن أن تجد شخصاً تخصص في الفقه وتمكّن منه، وتربى على المدارس الفقهية على أصولها، وله حظ من التقوى والورع أن يقع في مثل هذه الفتاوى الشاذة. ÷ هل هذه القضية لها علاقة بضعف المناهج التعليمية؟ - لا أخفيك سراً، نعم، في قديم الزمان كان الشخص يدرس العلم في سبع سنوات ويخرج عالماً، أما الآن فالشخص يدرس ما يزيد تقريباً على عشرين سنة حتى ينال الدكتوراه، وبالكاد يكون متخصصاً في مسألة جزئية واحدة، تأتي وتسأله في أي جزئية أخرى فإنه لا يعرفها، فهذا إشكالٌ لابد أن ننظر إليه، وندرس أسبابه. ÷ إذن هل تطالب بتعديل المناهج الدراسية؟ - بالتأكيد، المناهج تحتاج إلى إعادة نظر بصفة مستمرّة، ليس بحذف ما فيها من علم وآراء متعدّدة، ولكن بأن تتغير بحسب حاجة المجتمع، وسوق العمل في إطار الحفاظ على الثوابت الشرعيّة والمسلّمات، وتجديد الأساليب والاجتهادات في المسائل المبنيّة أصلاً على الاجتهادات أو المسائل المستجدّة شريطة أن يأتي هذا التجديد من أناسٍ مؤهّلين لذلك، لا من كلّ من تسمّى بكاتب أو مفكّر أو مثقف إسلامي دون أن يكون لديه أدنى إلمام بالعلوم الشرعيّة. أنا لا أطالب أن تكون جميع المناهج تربية إسلامية أي مواد شرعية، ولا أن تكون كلها هندسة وطب، فلابد من المزج بين سائر العلوم، وأيضاً يجب أن يختار للطالب عندما يدرس التربية الإسلامية أن يدرس ما يحتاجه في حياته، وكوني أدرّس في الجامعة أجد الآن الطلبة في أبسط أمور حياتهم المعرفية؛ لا يعرفون حتى مسائل الطهارة، كطهارة المرأة والرجل، وقضية الغسل، ومن المفترض على الطالب والطالبة حينما يأتي ليدرس في كليات شرعية وقانونية أن يكون قد أخذ قدراً كافياً من الفقه يؤهله أن يقف على اختلاف مناهج العلماء ومستنداتهم وما بنوا عليه آراءهم، وهنا يمكن للأستاذ أن يتطرّق إلى الأمور الخلافية في المذاهب الفقهية ويوازن بين أدلة الفقهاء، لا أن يبدأ بأمور بسيطة كان من المفروض أن يتعلمها الطالب في مراحل التعليم الأساسي. ÷ بخصوص هذه الشريحة هناك إشكالية كبيرة تعاني منها خريجات كلية الشريعة أو اللغة العربيّة تنحصر في أن تخصصهن غير متوافر في سوق العمل، وبالتالي يجلسن في بيوتهن بلا عمل، وبعضهن لهن إصرار على عدم خلع النقاب في حالة حصولهن على وظيفة، وأخريات يواجهن عوائق من أسرهن بسبب رفضهن العمل في أي مكان فيه اختلاط.. كيف ترى هذه الإشكالية؟ وما الحل الذي ترونه؟ - النقطة الأولى من تساؤلك أؤكد لك أن مجالات العمل لهؤلاء كثيرة، لكن المسؤولين عن التوظيف لا يريدون أن يبذلوا جهداً، لاسيّما الذين ينظرون إلى أصحاب هذه التخصصات نظرة دونيّة، وعلى العكس فهذه التخصصات أشرف التخصصات وحاجة الناس إليها أكثر، وينبغي أن يتشدّد في القبول بها أكثر من التشدّد في قبول الطلبة للتخصصات الأخرى؛ ومن هنا لم يكن يلتحق بهذه التخصصات في السابق إلا المتفوقون. ثمّ دعني أتساءل: هل الوظائف المكتبية التي بها تدوين الوثائق تحتاج إلى تخصص معين؟ أليس بالإمكان توظيف هذه الشريحة فيها؟ وأيضاً هناك مجال تدريس مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية في المدارس، وهي تشكو شُحّاً في أعداد المؤهّلين فيها، علاوة على مجال المحاماة التي أغلقت أمام خريجات الشريعة، وفي الماضي كان يمنح ترخيص ممارسة المحاماة لخريجي الشريعة، أما الآن فلابد أن يكون خريج شريعة وقانون أو قانون فقط رغم عدم إلمامه بأبسط الأحكام الشرعيّة خاصّة أن معظم قوانيننا مأخوذة من الأحكام الشرعيّة. وأنا لا أنكر أن خريج الشريعة قد لا يعرف الإجراءات القانونية، لكن حل هذه المسألة بسيط جداً، ومن الممكن منحهم تراخيص الاشتغال بالمحاماة بعد حصولهم على دورات تُعدها جهات مثل معهد الدراسات القضائية التابع لوزارة العدل ومعهد دبي القضائي حتى نؤهّلهم ونوفر لهم فرص عمل على الفور ولاسيما في القضايا التي لها علاقة بالأحكام الشرعيّة. أما موضوع الاختلاط فلابد أن نفرق بين قضيتين وهما الاختلاط والخلوة، فليس من ضروريات الاختلاط أن تكون خلوة في العمل، وهذه محرّمة، وبالإمكان أن يخصص قسم للنساء وآخر للرجال في أي دائرة أو في البنوك أو المؤسسات، كما أنّ الاختلاط موجود منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن تمنعه أصلاً، كما أنه موجود في ساحات الحرمين بين المصلين والمعتمرين والحجاج، ومن هنا أؤكد أن الاختلاط شيء والخلوة شيء آخر. أما قضية النقاب فنحن نقول إن الفتاة التي تريد أن تتورّع ولا تريد نزع نقابها فهذا شأنها، لكن إذا كانت تبحث عن وظيفة فالوظائف تستدعي أحياناً موظفة بلا نقاب، لأنّ المتعامل من حقه أن يعرف من يتعامل معه، ويستطيع أن يتقدّم بالشكوى عليها إذا قصّرت في وظيفتها أو أساءت إلى المراجعين. ثم إن تغطية الوجه محل خلاف بين الفقهاء، وأنا أقول إنّ وجه المرأة الذي لا يخشى منه الفتنة أو لا تخشى هي الفتنة على نفسها، فإنها لا يجب عليها أن تغطي وجهها طالما تبتعد عن الزينة. ÷ كيف تصفون الإفتاء من غير أهله؟ - الفتوى أمره عظيم، لذلك يحتاج إلى أدوات تمكن المفتي من ذلك مما أشرنا إليه سابقاً، أما الفتوى بغير علم فهذا خطر عظيم لأنه افتراء على الله تعالى، وقد قال سبحانه (ولا تقولوا لما تصف على ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون). فالذي يفتي بغير علم يكذب على الله وإن صادف قوله الحقيقة، لذلك يجب لمن يتصدى للفتوى أن يتقي الله في نفسه والناس الذين يضلهم، فقد خرج من بعض هؤلاء فتاوى مضحكة، «وشر البلية ما يضحك»، بل مبكية، لأنها تصور ما آلت إليه حال أمتنا التي كان علماؤها مضرب المثل في العلم والتقوى والورع، وقد كان السلف يهابون الفتوى، ومازال العلماء الربانيون على هذه الحال، ولولا أنه يجب علينا تبيين حكم الله ما تصدينا لهذا الأمر ولآثرنا السلامة. ÷ هل أنت مع انتشار الفضائيات الدينية أو ضده؟ - قصدك الفضائيات التي تعنى بأمور شرعية والدعوة إلى الله، أنا مع فكرة أن تهتمّ وسائل الإعلام بالأمور الشرعية، وقد تكون متخصصة في الإسلاميات كذلك، لكن بشروط منها أن تهدف إلى توعية الناس بأمور دينهم، وأن تستضيف المتخصصين، وأن تكون برامجها لتأليف قلوب المسلمين واجتماع كلمتهم، لا أن تفرقهم، وتشتت شملهم، وأن تبث فيهم التقوى وخشية الله تعالى وتغرس فيهم الورع، وألا تكون الدعوة لفريق معين أو فئة معينة أو حزب معين أو تزرع في الناس أفكاراً معينة، وألا تحدث العداوة بين الناس وأولياء أمورهم، بل تكون على ما كان عليه المسلمون طوال تاريخهم، فإنهم لم يعرفوا هذه التقسيمات. أما أن تضلّل الناس، أو تزعزع ثقتهم بأئمتهم العلماء، وتصفهم بأنهم كانوا على ضلال فلا. ÷ برأيكم.. هل الناس يتبعون المفتي في بلده؟ - كل مجتمع إسلامي متمذهب بمذهب معين، فالأفضل أن يفتي المفتي بناء على مذهب المستفتي، حتى لا تحدث لعوام الناس بلبلة، وإن كان ذلك لا يلزم، ومعروف أن العامي مذهبه مذهب من يستفتيه ولا يلزم عليه شرعاً أكثر من ذلك، فالعامي إذا وجد شخصاً ذا علم وتقوى وورع فإنه يستفتيه ثم يعمل بما أفتي به، ولا يلزمه شرعاً أكثر من ذلك. ÷ هل يختلف المفتي من مذهب إلى آخر مع اختلاف المذاهب الإسلامية؟ - طبعاً، لأن المذاهب الإسلامية المعتبرة كالمذاهب الأربعة، هي في الحقيقة مدارس فقهية، ومناهج لاستنباط الحكم الشرعي، وكل مذهب له أصول على ضوئها يتم استخراج الأحكام، ثم إن كل مذهب اشتغل فيه وهذبه ونقحه وراجعه آلاف العلماء الذين اجتهدوا في المذاهب وكذلك المحدثون، فالمذاهب عصارة جهد وتعب هؤلاء العلماء العظام، وفي الواقع نستطيع أن نقول إنّ كل مذهب من المذاهب الأربعة عبارة عن اجتهاد جماعي من علماء لا يختلف اثنان في علمهم وتقواهم وفضلهم وإمامتهم في الدين، والاختلاف في الفروع الفقهيّة وليس في الأصول الّتي تؤدّي إلى الفرقة والنزاع. ولا يشك عاقل أن اتباع مثل هذه المذاهب كما وصفنا أولى وأبرأ للذمة من اجتهاد فردي لأناسٍ على الفضائيات وهم لا يملكون أدوات الاجتهاد أصلاً. ÷ كيف نحصن شبابنا بالثقافة الإسلامية؟ - الشباب هم عمود المجتمعات وهم آباء المستقبل وقادته، كما أنهم هم أول المستهدفين من قبل أي فكر وافد، لذا يجب الاعتناء بالشباب، وهنا مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع والمناهج التربوية ووسائل الإعلام، الكل يجب أن يساهم في تثقيف الشباب بالثقافة الإسلامية التي تحميهم من الانحراف، ويربطهم بالله سبحانه وتعالى وبالتالي يكونون مواطنين صالحين يخدمون بلدهم ويسعون لرقيه، لا أن يكونوا معاول هدم. والمسؤولية الكبرى تقع على عاتق وسائل الإعلام بمختلف أشكالها لتوعية الشباب بتبصيرهم أمور دينهم بمنهج إسلامي وسطي، حتى لا يغتالهم الفكر المنحرف أو المتطرّف فيغذيهم بأدوات هدم لمجتمعاتهم وشق عصا الطاعة من أولياء أمورهم. ÷ يقولون دائماً إن اختلاف العلماء رحمة.. هل هذا المبدأ وراء تضارب العلماء في تفسير الأمور الحياتية؟ - أولاً: الإسلام يدعو إلى الوحدة، واجتماع الكلمة، وعدم الاختلاف الذي يؤدي إلى النزاع، قال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) وقال (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا). ثانياً: اختلاف مذاهب العلماء ليس من باب الاختلاف المذموم، فإنه ليس من باب اختلاف التضاد وإنما من باب اختلاف التنوع، وسبق أن أشرنا إلى أن تعدد المذاهب أمر طبيعي علمياً، وأن الاختلاف الذي وقع اختلاف مأذونٌ فيه شرعاً لأنه مبني على الاجتهاد، وأدى هذا الاختلاف في الاجتهاد إلى إثراء الفقه الإسلامي والفكر الإسلامي، وفي أغلب الأحيان في تعدد الاجتهادات والآراء مخرجٌ لكثير من المعضلات، وهنا نرى أن وجود الاختلاف رحمة للمسلمين حيث يرفع عن الناس الحرج. والأمة الإسلامية عاشت أربعة عشر قرناً بهذه المذاهب واختلاف الاجتهادات، وكانت مصدر عزّ ورقيّ وتطور لها في جميع النواحي، لأن الاختلاف في الفروع مستساغ شرعاً، وهو اختلاف علمي كما قلنا، لا يدعو إلى العصبيات. ÷ ما أهم القضايا التي تصل إلى فضيلتكم من جمهور المسلمين كفتاوى، هل هي أمور حياتية أم عبادات وعقائد؟ - في برنامجي الأسبوعي «فاسألوا أهل الذكر» في قناة دبي الفضائيّة هناك أسئلة متنوعة لكنها في الغالب تمثل الأمور الحياتية، وأنا شخصياً اتخذت منهجاً منذ بداية هذا البرنامج أن القضايا العامة للمسلمين لا أتحدث عنها في القناة الفضائية، وإنما ينبغي مناقشة القضايا العامة في المجامع الفقهية، وأن يصدر الفتوى عن هيئة أو مجموعة من العلماء حتى يكون الرأي واحداً ويأخذ حقه من النقاش العلمي الجاد وينظر إليها من جميع الجوانب، ولا يكون فيه شيء من النزاعات أو الخلافات ويفيد الأمة، ويجمعها ولا يفرقها. كما أنّ القضايا المنظورة أمام المحاكم لا تحدث فيها؛ لأن القاضي هو الوحيد الذي يفصل فيها، بينما المسائل الأخرى، ولاسيما للناس الذين يعيشون خارج البلدان الإسلامية فإنّي أجيبهم لأنهم بحاجة إلى توضيح المسائل الشرعية، وإيصال حكم الله لهم في أمور العبادات مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة، ونحوها، وكيفية التعامل بين الناس، وما يحل ويحرم من المكاسب والمعاملات، والمأكل والمشرب وما إلى ذلك مما تمس حاجة الناس إليه. لكن في هيئة كبار العلماء تأتينا أسئلة من جهات رسمية ومن دوائر حكومية ومن أشخاص، وأحياناً من القضاء، وبدورها ترد الهيئة عليها. ÷ يتضارب الشرع والقانون في بعض المسائل مثل الزواج السري وظاهرة العنوسة ونحوهما.. ما رأيكم في ذلك؟ - أنا لست من مؤيدي الزواج العرفي، والزواج السري والمسيار، ولا شيء من هذا القبيل؛ لأن هذا لا يحقق الغرض من مشروعية الزواج، فإما أن يكون الرجل لديه الشجاعة ويستطيع أن يتزوج زوجة ثانية الزواج الشرعي المعروف والمعتبر شرعاً وقانوناً، وإلا فليجلس ويرضى بنصيبه، هذا من وجهة نظري. وفي الوقت نفسه لا أغفل الحكم الشرعي، وهناك مبدأ في الشريعة مفاده تصحيح أنكحة الناس ما وجد إلى ذلك سبيلا، لئلا يُصار إلى اتهام الناس في الوقوع في الجريمة، والمفتي لابد أن يبحث عن مخرج للناس عما وقعوا فيه، لا أن يوقعهم في الحرج، لكن لولي الأمر أن يقيد في المباحات لا في الواجبات، وبشروط معينة، فلا إشكال شرعاً على سبيل المثال في اشتراط بلوغ سنّ معيّن ليكون مؤهّلا للزواج، والقانون لا يمنع الشخص القادر على الزواج جسمياً ومادياً، والذي قد بلغ سن الثامنة عشرة ربما يكون أنضج. كما أن القانون في الإمارات فيه الكثير من المرونة، إذ جعل من هو في سن الـخامسة عشرة الحق في الزواج لكن بشرط أن يكون هناك رأي للقاضي ليلاحظ طبيعة هذا الشخص وتكوينه وهل يستطيع أن يؤدي مهامه الزوجية وتحمل المسؤولية، وهذا ليس فيه تضارب، لكن هناك بعض الأمور مثل الربا فلا أحد يستطيع أن يجد له مخرجاً، لكونه يتعارض مع الشرع، ولا مجال للاجتهاد فيه، لورود النص الشرعي القاطع في قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا). والحمد لله أنّ ما يتجاوز 90 في المئة من مواد القوانين في هذه البلاد المباركة لها مرجعية في الشرع، إما قول معتمد، أو قول مرجوح، حسب المصلحة، وهذا لا إشكال فيه، خصوصاً أنّ «الحلال بيّن والحرام بيّن». ÷ ما أهم القضايا التي تشغل فضيلتكم في الوقت الحاضر؟ - إنّ أهمّ ما يشغل بالي في هذه الفترة هو كيف نرقى بفكر الدعاة والمفتين لتقبّل الرأي الآخر، والتماس الأعذار للناس، وأن نرسّخ في الأذهان أنّك حينما تفتي للناس يجب أن تجمعهم لا أن تفرق بينهم. نريد أن نجمع الناس على شرع الله، إذ لابد أن نجتمع على المسلمات والثوابت، ثم على المسائل الفرعية إن أمكن، لكن بشرط؛ فعندما تبدي رأياً لابد أن تكون متخصصاً حتى تنطلق من منطلق ثابت، وإما أن أقنعك أو تقنعني، ولذلك قال الإمام الشافعي «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، فإذا تبين للإنسان صواب الرأي الآخر رجع إليه فالحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها أخذها، وهذا ما نريده لا أن نضيق الفكر على فكرٍ واحد وأن نسمع الآخرين بالمروق والفسوق والتبديع والتكفير والإخراج عن الملّة. سيرة ومسار تلقّى الدكتور محمّد عبدالرّحيم سلطان العلماء تعليمه الشرعي وتدرّج في دراسة مختلف العلوم على يد والده، الذي يعتبر من كبار العلماء، ثم رحل في طلب العلم فتتلمذ على نخبة من العلماء الأجلاء في رحاب الحرمين الشريفين. حصل على الثانوية الشرعية في المدينة المنورة، ثم على درجة الليسانس في الشريعة من الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة. ثم واصل تعليمه العالي في مكة المكرمة فحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الفقه المقارن، من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، في جامعة أم القرى، مكة المكرمة، بتقدير «ممتاز» مع التوصية بطبع الرسالة وتبادلها بين الجامعات. ومارس التدريس في جامعة الإمارات بعد تخرجه وهو الآن أستاذ الفقه وأصوله في كليّة القانون في جامعة الإمارات العربيّة المتحدة، كما أنه عضو لهيئة كبار العلماء في دبي. وتقلد العلماء وظائف علمية وأكاديمية كثيرة منها: - مساعد العميد لشؤون البحث العلمي ورئيس قسم الدراسات الأساسية في كليّة القانون سابقاً. - رئيس تحرير مجلّة الشريعة والقانون سابقاً (وهي مجلّة علميّة محكّمة تصدر من كليّة القانون في جامعة الإمارات العربيّة المتّحدة). - مدير تحرير مجلّة كليّة الدراسات الإسلاميّة والعربيّة في دبي سابقاً. - عضو اللجنة المنظمة في جائزة دبي الدوليّة للقرآن الكريم ورئيس وحدة البحوث والدراسات في الجائزة والمشرف على وحدة المسابقات وشؤون التحفيظ فيها. - خبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي في منظمة التعاون الإسلامي. - خبير في المجمع الفقهي الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرّمة. - رئيس اللجنة الشرعيّة في صندوق الزكاة. - عضو مجلس إدارة صندوق الزواج. - رئيس وعضو في عددٍ من هيئات الفتوى والرقابة الشرعيّة للمؤسسات الماليّة الإسلاميّة. ويمتلك العلماء عدداً من البحوث والكتب الفقهيّة والتحقيقات العلميّة في علم الفقه، والقضايا الفقهية المعاصرة؛ بعضها مطبوع وبعضها قيد الطبع، وله العديد من البحوث العلميّة المنشورة، أو المقبولة للنشر بالمجلات العلمية المحكمة، إلى جانب العديد من البحوث العلميّة شارك بها في المؤتمرات والندوات. وشارك العلماء في أكثر من 100 مؤتمر وندوة علميّة داخل الدولة وخارجها، وناقش عدداً من الرسائل العلميّة المقدّمة لنيل الماجستير والدكتوراه، كما شارك في تحكيم عددٍ من البحوث العلميّة المقدّمة للمجلات العلمية المحكّمة، وفي العديد من الدورات العلمية وورش العمل، وله العديد من المقالات المنشورة في الصحف والمجلات. وشارك في عددٍ من اللقاءات التلفزيونيّة، وله برنامج أسبوعي مباشر صباح الجمعة على قناة دبي الفضائيّة ويبثّ كذلك عبر قناة نور دبي.
#بلا_حدود