الاحد - 27 نوفمبر 2022
الاحد - 27 نوفمبر 2022

توثيق تاريخ الدولة بروايات المعمرين وبرنامج للولاء الوطني في الجامعات

تسهم رئيسة إدارة البحوث وخدمات المعرفة في المركز الوطني للوثائق والبحوث التابع لوزارة شؤون الرئاسة عائشة بالخير في طرح مبادرات تصون التراث الإماراتي من التفسخ، مؤمنة بقيمته الراسخة في تشكيل الهوية الوطنية. وأوضحت في حوار مع «الرؤية» أن المركز أطلق مشروعاً لحفظ تاريخ الدولة من الاندثار وتوثيقه بالروايات الشفاهية، مضيفة أنه يستند إلى ذاكرة المعمرين والمخضرمين عبر رصد الأحداث التاريخية، ونمط الحياة في الماضي. وأكدت أن إدارة البحوث تنفذ مشاريع مشتركة مع الجامعات لتعزيز الجدول الأكاديمي للطلبة المبتعثين ببرنامج خاص حول قضايا الولاء والانتماء إلى الوطن، مشيرة إلى أنها تطلق مبادرات توعوية تتصل بأهمية الأرشيف العائلي والتوثيق للصور والذكريات. واعتبرت بالخير حماية التراث من الاندثار مسؤولية كل إماراتي يعتز بانتمائه الوطني، ويتفانى في معرفة تاريخه، مشددة على ضرورة التمسك باللهجة المحلية ومختلف العادات والتقاليد التي تشكّل الهوية الوطنية. وأفادت بأن المجتمع يولي اهتماماً بالغاً وكبيراً بالتراث، ولكنه بعيد تماماً عن التعصب، لافتة إلى أنه يحقق المعادلة بين الماضي والحاضر، والتوازن بين الأصالة والحداثة، مؤمِناً بأن التراث طاقة فعالة ومؤثرة إيجابياً، بعيداً عن التعصب. وأردفت أن الحفاظ على التراث لا يشكل مهمة رسمية، بل واجباً إنسانياً، استناداً إلى ما زرعَه الأسلاف من قِيَمٍ ومبادئَ ومفاهيمَ كانت أسباب بقائهم، مؤكدة ضرورة التعامل مع التراث بذوقٍ رفيع وأخلاقيات سامية. وتطرقت بالخير إلى دراسة أجرتها أخيراً حول الموسيقى الأفروإماراتية، باعتبارها حوار الحضارات ورقيّ مجتمع الإمارات وتذوقه للفنون، وتفاعله وانصهار بعض عناصره فيها، موضحة أن الإمارات في أمسِّ الحاجة إلى دراسة هذه التفاعلات التاريخية مع بلدان الإقليم مثل بلاد فارس، والهند، وأفريقيا. وأضافت أن تعايش الثقافات في الإمارات تشابك مع ثقافتها العريقة في مستوى الأطعمة، والبهارات، والأزياء، والقِيَم والعادات، والموسيقى. وتالياً نص الحوار: ÷ ما أبرز التحديات التي تواجه تراث الإمارات وسبل حمايته؟ - تعتبر حماية التراث من الاندثار مسؤولية كل إماراتي يعتز بانتمائه الوطني، ويتفانى في معرفة تاريخه، إذ يجب علينا جميعاً الحفاظ على اللهجة المحلية ومختلف العادات والتقاليد التي تشكّل هويتنا الوطنية. ولا بد لنا من الاقتداء بالمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي علمنا صون التراث، ودعانا إلى الحفاظ عليه من التفسخ، وأستشهد في هذا السياق بمقولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، «إن دولة الإمارات أمانة ومسؤولية، والجميعُ مَدعوٌّ للإسهام في تحمُّل هذه الأمانة، والمشاركة في هذه المسيرة المباركة». وحرصت القيادة الرشيدة على تشريك الإماراتيين دائماً في برامج تستهدف ترسيخ التراث الوطني، مطلقة مبادرات متميزة على هذا الصعيد. ÷ هل تخشون أن يتحول التراث إلى شكل من أشكال التعصب؟ - يولي المجتمع الإماراتي اهتماماً بالغاً وكبيراً بالتراث، ولكنه بعيد تماماً عن التعصب، محققاً المعادلة بين الماضي والحاضر، والتوازن بين الأصالة والحداثة، مؤمِناً بأن التراث طاقة فعالة ومؤثرة إيجابياً، دون أن يصبح شكلاً من أشكال الانكفاء على الذات، وعائقاً في التواصل مع الآخَر. ويتصف المجتمع الإماراتي بروح التعايش والانفتاح على سائر الشعوب والثقافات، متمسكاً بخصوصية هويته الوطنية في زمن العولمة التي أسقطت الحدود بين الدول. وإذا كان الماضي يمتد فينا موجهاً ومؤثراً، فإن الحاضر يُعيد تشكيلَنا، ويمثل دافعاً نحو المستقبل. ÷ بمَ يتميز مشروع التاريخ الشفاهي الذي تعكفون على تنفيذه حالياً؟ - لا يعد تدوين التاريخ الشفاهي مشروعاً جديداً، إذ شغل فكر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مؤسس الدولة، وهناك تسجيلات تعود إلى عام 1976 في هذا الخصوص. وأكمل مسيرة التوثيق صاحبُ السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، عندما أعلن 2008 عاماً للهوية الوطنية، وصدر قرار رقم 6/2008 الذي ينص على تفعيل دَور الأرشيف الشفاهي، وحفظ ذاكرة الوطن بتسجيلات تُجرى مع كبار السِنّ والمعمرين، والأوائل مُعاصري النهضة الحديثة. ويستند المشروع إلى تسجيل تاريخ الدولة، وتوثيقه بالروايات الشفاهية، وما حفظتْه ذاكرة المعمرين والمخضرمين عبر رصد الأحداث التاريخية، ونمط الحياة في الماضي، للحفاظ على خصوصيات مجتمع الإمارات المادية والمعنوية للأجيال المقبلة. ويُجري فريقٌ مختص حوارات صوتية ومرئية، تحفظ لإثراء الأرشيف الوطني، وتُستمدُّ منها مواد علمية تتاح للباحثين والأكاديميين وذوي الاهتمام، وتُنشر في مجلة «ليوا» الفصلية المحكمة التي يُصدرها المركز الوطني للوثائق والبحوث في وزارة شؤون الرئاسة. ÷ ما المحاور والآليات المعتمدة في المشروع؟ - يبدأ العمل عبر تسجيل مقابلات التاريخ الشفاهي بتوثيق السيرة الذاتية للراوي، وسرد ما وصل إليه من أسلافه وما شاهده في عصره، لرسم تصور كامل لواقع ونمط حياة وقصة الوطن. وتشمل موضوعات البحث والتنقيب توثيقَ الأنسابِ وشجرة العائلة، ويعتمد توثيقَ أنساب القبائل، والعشائر وفروعها، والأُسَر الحاكمة في الإمارات، إبرازاً للترابط الأُسَري والانتماء إلى الوطن. ويتضمن المشروع أسئلةً صُمِّمتْ حول الحياة الاجتماعية المرتبطة بعادات وتقاليد الولادة والزواج والوفاة، والعلاج ووسائل التسلية، فضلاً عن الصيد والقنص بمختلف أنواعه. وتتعلق الحياة الاجتماعية الموثقة أيضاً بتربية الخيل والإبل والمجالات الإدارية والسياسية، والحكم المحلي ودَوره في الحياة العامة، ودَور زعماء القبائل، إلى جانب علاقة الناس والحكام المحليين. ويتمحور التوثيق كذلك حول الصناعات والحِرَف اليدوية، والنظام المالي، والحياة الدينية، والتعليم، وتُجمع أيضاً معلوماتٌ عن تاريخ بعض الأماكن في الدولة، وما يرتبط بها من قصص وأشخاص عاشوا أو مرّوا فيها. ÷ هل يقتصر الحفاظ على التاريخ الشفاهي على فئة اجتماعية محددة؟ - لا يعتبر الحفاظ على التراث مهمة رسمية، بل واجباً إنسانياً، ويدل على الأمانة، استناداً إلى ما زرعَه فينا أسلافُنا من قِيَمٍ ومبادئَ ومفاهيمَ كانت أسباب بقائهم، وعلينا التعامل مع تلك الهدية بذوقٍ رفيع وأخلاقيات سامية، وتقع مسؤولية بقائها سليمة وتوأمتها مع الحقيقة والواقع على الجميع، فهي ليست حكراً على فئة واحدة. ÷ كيف تقيّمون جهود توثيق التراث الإماراتي عامة؟ - يجب على الموثق انتهاج التحري والدقة، ليحفظ المعاني في سياقها وأطرها، ولست راضية تماماً على جهود بعض المؤسسات في هذا السياق، وحبذا لو تضافرت الجهود والمعايير وأساليب الجمع والفرز والتحليل، ثم جرت أرشفة المواد في مكانٍ واحدٍ، حتى لا تتأثر هذه المقتنيات الثمينة، ويكبر عدد الفريق فتُجمع أكبر كمية ممكنة من المقابلات بدلاً من الوضع الحالي. وأُصِرُّ على ألا يَجمَع مادةَ التاريخ الشفاهي إلا مَن اجتازَ اختباراتٍ تُحدِّد مدى فهمه للمعطيات والمفاهيم الشعبية. ÷ ما نظرة المركز الخاصة إلى التراث الوطني؟ - التراث واقع عشناه في ستينيات القرن الماضي قبل بزوغ فجر الاتحاد، لذلك فإنه ليس بعيداً عنا وعن هُويَّتنا وتفاصيل حياتنا اليومية، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش دون ذاكرة، ولا بد في هذا السياق من توضيح الفرق بين الذاكرة والذكريات، فالذاكرة مخزن لصور حية، وتفاصيل وقائع يعتمد عليها الأكاديميون أكثر من الذكريات العامة التي تخص زمناً ما. والذاكرة جزء من كيان الإنسان، والذكرياتُ محطاتُ حياته. وحرص قادة الإمارات وهم يشيدون مرتكزات الدولة العصرية، وفي مقدمتهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على حماية التراث، لمكانته الخاصة في مجتمع الإمارات، إذ يشكّل تركةَ السلف للخلف، مسهمين في تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي، والمكوّن الرئيس للثقافة الشعبية بتجلياتها، وعليه فهو أحد أهم عناصر الهُويّة، ويستلهم المجتمع الإماراتي منه قِيَمَه ومعانيَه. ÷ هل تعرّفون طلبة الجامعات بالإرث الحضاري والثقافي للدولة؟ - ننفذ مشاريع مشتركة مع الجامعات لتعزيز الجدول الأكاديمي للطلبة المبتعثين ببرنامج خاص حول قضايا الولاء والانتماء إلى الوطن، ونطلق البرامج التوعوية المتصلة بأهمية الأرشيف العائلي والتوثيق للصور والذكريات. ويتمثل الهدف من وراء هذه المبادرات في حثّ الطلبة على استيعاب تاريخ الوطن، وتعريفهم بالإرث الحضاري والثقافي، ما يعمق الإحساس بالهوية الوطنية، ويعزز الولاء والانتماء إلى الوطن، ويقوي الروابط بين الأجيال، لذا ألقي محاضرات وأنظّم ورش عمل تدريبية على مستوى الدولة وفي المحافل الدولية للطلبة في الجامعات والمدارس. ÷ أجريتِ العديد من البحوث العلمية عن الموسيقى الأفروخليجية، كيف تخدم مثل هذه الدراسات الدولة في توطيد أواصر التواصل الإنساني مع الآخر؟ - تعبّر الموسيقى عن حوار الحضارات ورقيّ مجتمع الإمارات وتذوقه للفنون، وتفاعله وانصهار بعض عناصره فيها، والإمارات في أمسِّ الحاجة إلى دراسة هذه التفاعلات التاريخية مع بلدان الإقليم مثل بلاد فارس، والهند، وأفريقيا والتبادلات التي لها آثار نراها تشابكت في ثقافتنا العريقة في الأطعمة، والبهارات، والأزياء، والقِيَم والعادات، والموسيقى. ويدعو ذلك إلى ضرورة رصد هذا الموروث الفني وتسجيله وتوثيقه، وعلينا رؤيته من وجهة نظر موضوعية، وبوصفه ظاهرة حضارية متميزة يتناول موضوعها الباحثُ في العلوم الإنسانية. ÷ كيف يمكن أن يسهم تراثنا بوصفه شريكاً استراتيجياً في إثراء التراث الإنساني العالمي؟ - التراث أسلوب حياة وسلوك، وهو، بوصفه مفهوم الوطن والمواطَنة، لا يقبل جدلاً ولا نقاشاً ولا خيانة، وبعد تدوين التراث يجب على الأجيال أن تعيَهُ وتفهمه، ويُصبح وتيرةً في سلوكياتها اليومية، وجائز أي يكون مُتاحاً في وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن ما الفائدة من ذلك إنْ لم يتفاعل معه الشعبُ والمقيمون ليجعلوه مؤثراً في الحياة. ولا يمثل التراث ما نراه اليوم من خبز خمير، ولقيمات في المناسبات التراثية، ولا ملابس تراثية، أو مسابقات فقط، فهو القيمة المعنوية لتصور الحياة والعالَم، وطرائق التعامل مع البيئة الأُخرى. وجمعتُ التراث الموسيقي بصفة شخصية، وأنشأتُ أرشيفاً موسيقياً أهديه لليونسكو قريباً؛ ليُضافَ اسم الإمارات ضمن الدول التي لها إرثٌ موسيقي مُتميِّز أفرزتْه التجربة التاريخية في تفاعل إنسان الإمارات واندماجه مع الآخَر. ÷ إثر مرور 42 عاماً على الاتحاد، كيف تقيّمين ما وصلت إليه المرأة الإماراتية؟ - أشكر سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أمَّ الإمارات قدوةَ كل إماراتية على إيمانها بقدرات المرأة على أداء العملٍ، واقتحام المجالات والقطاعات كافة، فقد أسهمت سموها بفاعلية في تمكين المرأة، وعلى كل إماراتية أن تعيَ تلك الفلسفة، إذ فتحتْ سموُّها آفاقَ الأجيال لبنات الوطن، فأصبحنَ مؤهَّلاتٍ وقادراتٍ على بناء الذات، وتحمّل المسؤولية، وكل ما تحقق لنا هو قبساتٌ من سِمات فكرها المشرقِ. والحمد الله، سخَّرَ لنا البناة المؤسسون وسائلَ التميز، ونرنو إلى تعزيز طموح المرأة في شتى الميادين، ولنا أن نُحَلّق ونرفرف بآمالنا، كما يرفرف علم الإمارات في قلوبنا. وللإمارات والاتحاد تجربة مميزة وفريدة عن سواها، فهناك من دروس التاريخ ما تعلمانه من المهلّب بن أبي صفرة الأزدي الذي ولد في دبا الفجيرة في العام الأول من الهجرة، وكان سابقاً لعصره وزمانه في الحِنكة والفِطنة والحِكمة، وله قصة طالما سمعناها ونحن صغار؛ فهو قبل وفاته دعا أبناءَه، وطلب منهم إحضار بعض السهام فربطها إلى بعضها في حزمة، فقال لهم: هل بإمكانكم كسرها؟ فجربوا ذلك ولم يفلحوا، فقال لهم: هكذا تكون الجماعة قوية لا يتغلب عليها العدو بسهولة، وإياكم والاختلاف والفُرْقة، واستدَلِّوا على ذلك بقراءة القرآن، وهذا درس في التاريخ الإنساني.