الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021

لسنا شر العصور

يؤمن بأن الرحمة المعيار الأساس للتمييز والتمايز بين التيارات الفكرية الموجودة حالياً على الساحة الإسلامية، وأن أي إنسان أو تيار يفتقد هذا المعنى غير جدير حتى بالاستماع إليه، لأن الهدي النبوي في كل تطبيقاته كان يستهدف الرحمة، إنه أستاذ أصول الدين في جامعة الأزهر والمستشار الديني للرئاسة المصرية الدكتور أسامة السيد الأزهري. وأوضح في حواره مع «الرؤية» أنه يتوقع زوال التيارات والتنظيمات التكفيرية الحالية قريباً، لأن وصولها إلى ذروة قوتها يمثل بداية انحدارها، وأنه متيقن من قرب زوال «الدواعش»، لأن أسسها رخوة وشديدة الهشاشة، مشيراً إلى خشيته في الوقت ذاته من ميلاد تيار جديد بعد 10 ـ 15 عاماً مقبلة باسم جديد، يحمل الدموية والأفكار ذاتها. وجزم بأنه يجوز لعالم الدين التحدث في السياسة التي تعنى برعاية الشأن العام وحفظ حرمة الوطن، مع ضرورة أن يربأ بنفسه عن السياسة بمفهوم الكيانات الحزبية المتناحرة، لأنه يُفترض بالعالِم جمع الأحزاب المتناحرة والمتفرقة، لا أن يكون طرفاً فيها. وأبدى الدكتور الأزهري إعجابه بأداء مركز الإفتاء في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في الإمارات، الذي يلمس تطوره عاماً بعد عام، مؤكداً على علاقات التعاون الطيبة بين المركز ودار الفتوى المصرية. واعتبر الجهود الأزهرية في مكافحة استقطاب بعض التيارات لجيل الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير كافية، وأنه لا بد من توافر خبرات عالية دينية وتكنولوجية، للمواقع الإلكترونية الدينية المستنيرة، ليتاح لها مخاطبة العالم كله بلغاته المختلفة، وأن يكون القائمون عليها قادرين على فتح باب للنقاش مع أصحاب الأفكار المتطرفة، سواء التكفيرية أو الإلحادية. وأكد أستاذ أصول الدين في جامعة الأزهر أن الدين مبني على ثلاثة مقاصد، هي العبادة والأخلاق والعمران، وفق نسب متساوية، مؤكداً أن من يخل بمعنى من هذه المعاني يهدم ثلث الدين. وتالياً نص الحوار: ما انطباعك عن أداء مركز الإفتاء في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في الإمارات؟ - زيارتي هذا العام إلى المركز ليست الأولى، بل حرصت على زيارته مرات عدة في الأعوام الخمسة الماضية، كلما زرت دولة الإمارات الشقيقة، لمست في كل زيارة تطوراً جديداً وإضافة طيبة على عمل المركز، الذي يربطه تعاون وثيق ومحمود مع دار الفتوى المصرية. هل تتفق مع الرأي القائل بأن الضجيج الفكري للتيارات الإسلامية الموجودة على الساحة شوّش أفكار الناس؟ - نعم، هناك حيرة بين الأشخاص العاديين حول معتقدات التيارات الفكرية الموجودة حالياً، لا سيما الأشخاص البسطاء الذين لم يخوضوا غمار قراءة الفكر الإسلامي على يد مشايخ وسطيين. ما المعيار الأساسي للتمييز بين صحة التيارات الفكرية الحالية؟ - معيار واحد «الرحمة»، وإذا افتقد أي إنسان أو أي تيار إلى هذا المعنى فلا تستمع إليه. فالهدي النبوي في كل تطبيقاته كان يستهدف الرحمة، حتى جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم لب الدين وجوهره. ما الدلالة على أن الرحمة معيار؟ - العلماء منذ 1300 سنة إلى الآن يتداولون حديثاً نبوياً يطلق عليه «المسلسل بالأولية» والذي يحمل جميع معاني الرحمة فيقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم «الراحمون يرحمهم الرحمن .. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». انظر إلى دلالات وأثر تكرار كلمة الرحمة في كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم، لا سيما عندما يسمعها طالب العلم أول مرة. كيف نطبق ذلك على التيارات الدينية الحالية؟ - قولاً واحداً، كل تيار يقوم على انتزاع فكرة الرحمة فليس من الدين. هل كلامكم الآن قابل للتطبيق على تلك التيارات؟ - تعال لنطبق ما قلته على جماعات متطرفة، وأولها جماعة الكلية العسكرية في مصر التي نشرت الرعب والفزع بين الناس في سبعينات القرن الماضي، ولم يعش هذا التيار سوى عام وبضعة أشهر فقط، لأن الناس لم تلق فيه معنى الرحمة ولا نسائم الإنسانية، وهو ما ينطبق على ما سواه من التيارات والجماعات. ماذا عن التيارات التكفيرية؟ - أبرز تلك التيارات «التكفير والهجرة»، الذي اختطف وزير الأوقاف حسين الذهبي وقتله، وروع الناس، وأراق الدماء ثم طواه التاريخ، لأن العمود الفقري «الرحمة» غير موجود، في المقابل لم يختلف تنظيم الجهاد كثيراً، تنظيرات واستدلالات خاطئة وتورط في قتل، وسفك دماء، فصار يعرف في التاريخ بكونه موجة من موجات العنف. هل تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» مختلف في منهجه عن سواه؟ - إطلاقاً، فهذا التنظيم «داعش» لا يتوانى عن قتل أو حرق الإنسان، وترويع الآمنين، ونشر الرعب في العالم، ثم يدعي أنه من الدين. وسأذكر لك مقاربة بسيطة، فعندما قرأ الصحابي معاذ بن زياد في إحدى الصلوات سورة البقرة والنساء غضب الرسول صلى الله عليه وسلم من معاذ، وقال له «أفتان أنت يا معاذ!»، فرحمة الدين جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأن يخفف الإمام من صلاته بالجماعة، لأن منهم المريض وذا الحاجة، فكان الإسلام ورسوله رحمة للعالمين. كيف يتعرف الإنسان العادي إلى قيم الرحمة؟ - هي موجودة على مر العصور وفي زماننا هذا لأننا لسنا شر العصور. وسأسرد لك معنى واحداً فقط أبدعه المسلمون في مشارق العالم العربي، ففي دمشق وجد وقف لتزويج الفقراء «هذه رحمة»، وفي دمشق أيضاً وجد وقف لإيواء الحيوانات الكبيرة التي لا تستطيع أن تسعى على رزقها. هل يصح أن يعمل عالم الدين في السياسة؟ - نعم، يتحدث عالم الدين في السياسة، لكن السياسة التي تعنى برعاية الشأن العام وحفظ حرمة الوطن. ما الحالات التي يجب أن يربأ بنفسه عنها؟ - أن يقصد بالسياسة الكيانات الحزبية المتناحرة، فيفترض أن يكون العالِم من يجمع الأحزاب المتناحرة والمتفرقة، وألا يكون طرفاً فيها. ما تقييمك للجهود الأزهرية في مكافحة استقطاب بعض التيارات لجيل الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟ - الجهود الحالية غير كافية بلا شك، ولا بد من أن تتوافر للمواقع الدينية المستنيرة خبرات عالية، سواء دينية أو تكنولوجية، وأن تخاطب العالم كله بلغاته المختلفة، وأن يكون القائمون عليها قادرين على فتح باب للنقاش مع أصحاب الأفكار المتطرفة، سواء التكفيري أو الإلحادي. كيف ترون الوضع الحالي للتيارات المتطرفة لا سيما الدواعش، هل سنعاني منهم كثيراً؟ - أتوقع زوالهم قريباً، والشاهد أنني عندما بدأت رصد التيارات المتطرفة في مصر توصلت إلى قواسم مشتركة تجمعها، وأبرز هذه القواسم أن وصول التيارات المتشددة لذروة قوتها، لدرجة أن يقتنع الناس أنها لن تزول، هو بداية انحدارها، ثم يطويها التاريخ، ولست على الصعيد الشخصي قلقاً من قرب زوال الدواعش، لأن أسسها رخوة وشديدة الهشاشة، لذلك لن تطول. إن كنت غير قلق من الدواعش، فما الذي يقلقك؟ - أخشى من ميلاد تيار جديد بعد عشرة إلى 15 عاماً مقبلة، باسم جديد ويحمل الدموية والأفكار نفسها. ماذا عن القواسم المشتركة بين مثل هكذا جماعات وتيارات؟ - جميع التيارات المتطرفة، من أتى قبل 80 عاماً، ومن سيأتي لاحقاً، مشتركة في تشويه الأوطان. كل التيارات المتطرفة تزعم أن الوطن حفنة تراب، وأنه حدود جغرافية فقط، من صنع البشر، وأن الأوطان هي التي قال عنها الله سبحانه وتعالى «مساكن ترضونها». ويزعمون استدلالهم على ذلك بعدم وجود آية كريمة واحدة في حب الأوطان، مستثنين مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم في حب مكة «والله إنك أحب البلاد إلي». كيف ترون الوطن؟ -الوطن ليس حفنة تراب، بل الوطن تاريخ وحضارة وعلماء ومؤسسات ومستقبل وطموح. ما صحة مقولة أن الدين معاملة بعيداً عن العبادات؟ - تتردد تلك الفكرة كثيراً، وأشير باختصار إلى أن الدين يقوم على ثلاثة مقاصد، هي العبادة والأخلاق والعمران، ونسب تلك المقاصد متساوية، بمعنى أن كل قيمة منها تشكل ثلث الدين، ومن أخل بمعنى هدم ثلث الدين، والعمران هنا معناه أن التعبد ليس معناه الصلاة حتى تورم القدم، ولكن تشييد مؤسسات يستقيم بشأنها بناء الأوطان.
#بلا_حدود