الاثنين - 02 أغسطس 2021
الاثنين - 02 أغسطس 2021

الجزيرة الحمراء.. البحر من أمامها والتاريخ من خلفها والتجاهل يحوطها

جزيرة يلفها الصمت، يحوطها البحر، تسكنها الأساطير، ويعبث فيها الإهمال. بيوتها وقلاعها تجسيد رائع للهندسة المعمارية العربية التقليدية، وأشهرها بيت بن عمران. وبين الأثري والمهجور والمسكون يعيش قلة من أهاليها كالقابضين على الجمر، يتحدون الأساطير وحكايات الجن والعفاريت، ويأبون أن يتركوها للأشباح أو العمال الذين لا يعرفون قيمتها، أوالدخلاء الذين يعبثون بها. تعد الجزيرة الواقعة شرق رأس الخيمة مزاراً سياحياً استراتيجياً، ويأتيها السياح من مختلف الجنسيات ممن يتوافدون إلى إمارة رأس الخيمة، لقضاء عطلات بحرية في الفنادق والمنتجعات القريبة من الجزيرة المهجورة. ورغم ذلك، تفتقر إلى التجهيزات اللازمة للمواقع التاريخية، فلا يمكن زيارتها إلا خلال النهار بسبب انعدام الإضاءة فيها ليلاً. كما تفتقد اللافتات الإرشادية والتحذيرية، خصوصاً مع ضيق الشوارع الداخلية، وتهدم أجزاء من بعض البيوت المهجورة، التي قد تشكل خطراً على الزوار. ربما يرى الزائر بعض اللافتات النادرة على عدد محدود من القلاع والمباني، والتي تحذر من التصوير، ولكنها بمثابة الاستثناء الذي يثبت القاعدة. يشكو المواطن مطر علي عدم وجود مرشدين سياحيين مختصين يزودون الزوار بالمعلومات الصحيحة عن المكان. والصدفة وحدها التي تقود الزائر إلى لقاء أحد السكان القدامى من أصحاب البيوت القديمة، أثناء تفقده منزله، أو أحد المتطوعين من سكان إمارة رأس الخيمة. لم تكن الرحلة إلى «جزيرة الحمراء» التي تستغرق ساعة ونصف الساعة من إمارة دبي، سهلة على فريق عمل «الرؤية». انتابت بعضنا بعض المخاوف من بعض الأساطير الشائعة. وعزز ذلك السكون المحيط بها وخلوها التام من الزوار. لكن ما تتمتع به معالم الجزيرة من فنون العمارة التقليدية بملامحها كافة والبيوت المرصعة بالصدف وأحجار الشُعب المرجانية، تُنسي الزائر مخاوفه وتحمله إلى أجواء القرن السابع عشر. في أرجاء الجزيرة كافة تبدو طبيعة الحياة والمهن التي عمل بها السكان الأصليين واضحة للعيان. بداية من الرمال الناعمة والمموهة باللون الأحمر، مروراً بأشكال المنازل وتقسيماتها، التي تشير إلى عمل أهلها في تجارة اللؤلؤ والنقل والملاحة البحرية. مع انتشار كبير للمساجد في معظم المناطق. يعود مسمى الجزيرة الحمراء الكائنة بإمارة رأس الخيمة إلى أعلامها ذات اللون الأحمر، ويرجع أصل سكانها إلى قبيلة الزعاب. ويشير المواطن حميد علي إلى أن الجزيرة الحمراء من أقدم المدن التقليدية والتراثية، ويعود تاريخها إلى 150 عاماً. وعاش سكان هذه الجزيرة الصغيرة على أعمال الملاحة البحرية وتجارة اللؤلؤ. وينعكس ذلك ذلك جلياً في تصاميم البيوت القديمة التي استخدم في بنائها الشعب المرجانية والجص المحروق والأصداف، وكان عدد سكانها قديماً يصل إلى 2000 شخص يقطنون نحو 1500 منزل في ثلاثة (فرجان). ولفت إلى أن أهل الجزيرة تركوها منذ 38 عندما بدأت مرحلة التطور، واتجهوا إلى العيش خارجها، في المدن السكنية الجديدة في الإمارة، وبعضهم انتقل إلى إمارات أخرى. وذكر حميد أن ترميم بعض أجزاء الجزيرة يرجع إلى المبادرات الفردية من قبل أبنائها القدامى الراغبين في تطويرها والمحافظة عليها كتراث قديم. وأثناء تجولنا برفقته، تعرفنا إلى بعض المناطق التاريخية، ومن بينها بئر يصل عمقها إلى ثلاثة أمتار، إلى جانب القلاع التراثية ذات الطابع المعماري المتميز، والذي يعود بك إلى القرون الماضية، وأشكال البيوت ذات الطابق الواحد والمساجد البسيطة التي يصل عددها إلى 11 مسجداً. تنتشر القلاع في أرجائها مع اختلاف تصاميمها. تلمح حصناً مستطيل الشكل وله برجان. وآخر مستدير مع وجود بعض الفتحات التي تحدد الرؤية للمقيم داخل القلعة. وتبرز روعة المدينة عندما تصل إلى تلك القلاع وتعتليها لكي تحظى بمشاهدة بانورامية للجزيرة على اتساعها، يلفها البحر وكأنه يخفف من بعض شجونها. نشاهد بيت البرج الدائري بالقرب من ساحل البحر وهو مجمع سكني مكون من بيوت عدة بأبراج مستديرة ملتفة حول ساحة، كان يقطنها عدد من العائلات الثرية تنتمي إلى قبيلة الزعاب. أوضح المواطن سعيد الزعابي أن سحر القلاع جذب بعض التلفزيونات للتصوير فيها ، ولكن أدى ذلك إلى تضرر أحد القلاع بسبب لجوء إحدى القنوات الهندية إلى التصوير فيها دون إذن مسبق ودون مراعاة لخصوصية المكان. وأشار إلى أن المخالفات لا تقتصر على ذلك فقط، بل تؤجر بعض شركات المقاولات البيوت القديمة التراثية الصالحة للسكن إلى العمال. وفي أثناء جولتنا رصدت «الرؤية» بعض أرقام التلفونات الموجودة على الجدران تعلن توافر غرف للإيجار. اتصلنا ببعضها، ووجدنا أن السكن المجهز للإيجار مكون من ثماني حجرات في فيلا قديمة إيجاره 55 ألف درهم في السنة. أما البيت المكون من أربع غرف فلا يتعدى إيجاره 25 ألف درهم في السنة، إضافة إلى تحمل تكلفة المياه والكهرباء. وشاهدت «الرؤية» سكن العمال وتعرفت إلى نمط حياتهم من خلال أحد البنغاليين الذين يقطنونها. وهو يشير إلى أن البيت يحتوي على ست غرف، ويسكن به نحو 30 عاملاً بإيجار 2000 درهم شهرياً. والأمر ليس مقتصراً على البيوت السكنية فحسب، وإنما تؤجر تلك المنازل وتحول بعضها إلى محل بقالة وسكن من أجل خدمة العمال القاطنين في المنطقة. وحكى لنا أحد البنغاليين أن بقالته تخدم فئة العمال في الجزيرة، وأنه استأجر البيت بما يقدر بـ 35 ألف درهم سنوياً. وأسر لنا أحد الضباط المتطوعين في رأس الخيمة بأن هناك مبادرات فردية تطوعية للحفاظ على المدينة ينفذها بعض شباب رأس الخيمة. وتشمل جهودهم تنظيف طرق المنطقة من المخلفات، وترميم مبانيها القديمة التي تضم بين جنباتها نحو 334 مبنى تراثياً، منها 11 مسجداً، و18 محلاً تجارياً قديماً ومدرستين.
#بلا_حدود