الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

30 يوماً للاندماج .. ومتوسط التأهيل 6 أشهر

لجأ إلى مراكز «إيواء» لضحايا الاتجار بالبشر 219 ضحية منذ 2008، ويحتضن المركز في أبوظبي نحو 60 شخصاً، تكفيهم 30 يوماً للاندماج، في حين يبلغ متوسط برامج التأهيل ستة أشهر. وأفادت «الرؤية» الاختصاصية النفسية في «إيواء» أبوظبي عايدة محمد نور، بأن أغلبية الحالات تتراوح أعمارها بين 18 و45 عاماً، مُضيفة أن المركز يخلو حالياً من الأطفال ضحايا الاعتداء. وأبانت أن الضحايا يُغرر بهن من أقربائهن أو أصدقائهن، عبر توقيع عقود عمل وهمية، واستقدامهن إلى الدولة لتحصيل المال وإعالة أسرهن، مشيرة إلى أنهن يفاجأن لاحقاً بخيانة التعهدات، وحبسهن وتهديدهن واستغلالهن للمتاجرة وتحقيق الأرباح المادية. ويعمد معظمهن إلى الفرار من سجانيهم في ظروف قاسية، إذ يسكن بعضهن العراء حتى تجدهن السلطات المختصة وتنقلهن أولاً إلى «إيواء»، وتُستكمل إجراءات التحقيق في المراكز. ويُحول الضحايا إلى «إيواء» عبر مراكز الشرطة و‪النيابة‬، ودُور العبادة والكنائس، فضلاً عن السفارات والمستشفيات، والخط الساخن 800SAVE. وتستعين المراكز بمترجمين إثر إبرام مذكرة تفاهم مع دائرة القضاء، للتواصل مع الناطقين بغير العربية، وتحديد الأوضاع النفسية والصحية بدقة. وذكرت نور أن الضحية في أول ثلاثة أيام من استقبالها تكون مرهقة ومتوترة ومصدومة، إلى حين تعوّدها على المكان وفهمها الكامل لمحيطها الجديد. وتتخبط الضحية في رصد وفهم ما يدور حولها أثناء فترة الإيواء الأولى حتى تتأكد أنها في مكان آمن ومحمي وليست في سجن جديد أو بصدد اختبار معاناة أخرى، ثم تبدأ مرحلة تأقلمها وتعاونها مع المشرفين. وتستغرق عملية التأهيل من شهر إلى ستة أشهر وحتى عامين في بعض الحالات، تبعاً لتقييمات الوضع النفسي دورياً ومدى استقراره. وبمجرد دخول الضحية إلى المركز، تتوافر لها جميع الاحتياجات والمستلزمات الشخصية، ويُطلب من المقيمات السابقات من جنسيتها الحديث معها وطمأنتها. ويُخصص المركز مطبخاً للضحايا، إذ يُسمح لهن بطهي طعامهن تماشياً مع ثقافات بلدانهن، مع تحديد مواعيد النوم والاستيقاظ، وتنظيف غرفهن وممارسة الأنشطة الرياضية، إثر تناول الفطور. وعن إعادة دمج الضحية في المجتمع، أوضحت عايدة نور أن المركز يعتمد جهاز التغذية الحيوية والاسترخاء، مع الجلسات الجماعية والتدعيم النفسي الفردي، مُشيرة إلى توظيف الموسيقى والرقص وحصص الرياضة في العلاج. وحددت الأخصائية أكثر الحالات سوءاً، والتي يصعب دمجها فور وصولها، في حالات الاستغلال والاتجار من قبل الأقارب أو الصديقات، مُضيفة أن المركز يستوعب الأطفال المرافقين للضحايا، وإدماجهم في برامج التأهيل بحصص سلوكية عدة. وتمتد فترة التأهيل حسب حالة الضحية ومستواها التعليمي، إذ تبين بالتجربة أن استعداد المتعلمة وقابلية المثقفة للعلاج يختلف تماماً عن وضع الأمية. وعلى الرغم من توفير فرصة اتصال الضحايا بذويهن، يعمد أغلبهن إلى إخفاء الحقيقة وعدم المصارحة بالوقائع خشية الفضيحة، وفق ما أفصحت عنه نور. وتنصبّ جهود مراكز «إيواء» على بناء مستقبل مشرق لضحايا الاتجار بالبشر، والارتقاء بهن إنسانياً وتعليمياً وثقافياً، حتى يستطعن خوض غمار الحياة بثقة. وتعمل المراكز على إعادة الضحايا إلى دولهن بعد انتهاء التحقيقات وفترة التأهيل، إثر موافقة السلطات المختصة، وعدم الحاجة إليهن في مراحل التقاضي المُقبلة، والتأكد من صحتهن الجسدية والنفسية.. ويُمكن أيضاً التوجه بهن إلى دولة بديلة، تحتضنهن في أحوال معيشية مناسبة وتضمن لهن مستقبلاً أفضل. وتتفرع المساعدة التي تقدمها المراكز إلى ثلاثة أقسام، أولها مبالغ مالية للضحية وأسرتها، حسب التقرير النفسي والاجتماعي الوارد إلى المركز حين وصولها. وتُخصص مبالغ مالية محددة لكل ضحية، ترتبط بسفرها إلى بلدها أو إلى البديل عنه، وفق حاجتها التقديرية، وتبلغ المساعدات في المرحلة الثالثة تكفل المراكز بمصاريف علاج الضحية في وطنها عقب العودة، وذلك بالتنسيق مع المنظمات الدولية. من جهتها أفادت المشرفة في مراكز «إيواء» يسرا قدورة، أن الضحايا يبدأن تعلم الرسم كأحد الأنشطة لتفريغ مشاعرهن ضمن خطة المعالجة النفسية، بإشراف الفنانة التشكيلية جنيفير سايمون. ويُطلق العنان لمواهب الضحايا حتى يُعبرن عن أنفسهن ويُترجمن ما يُخالجهن من أحاسيس، على صفحات بيضاء. وأوضحت قدورة أن مشاعر الفتيات متنوعة ومختلفة إذ تنضح بالقهر والخوف والألم بداية، ثم تتحول إلى اشتياق للأهل والحياة الطبيعية، وتمتلئ بالأمل والتفاؤل بعد فترة. وتتعلم الضحايا لغات ومناشط رياضية كثيرة، علاوة على فنون الطهي والحياكة وغيرها من المهارات المتعلقة بالحاسوب والقراءة والخياطة. في السياق ذاته أبدت إحدى الضحايا وسنها 30 عاماً، اشتياقها لأطفالها الذين تركتهم وسافرت بحثاً عن حياة أفضل لتأمين قوتهم، فصُدمت بكذبة مريرة، إثر وقوعها في شرك عصابة للاتجار بالبشر، حتى تمكنت من الفرار واللجوء إلى الشرطة. وتُعبر لوحات ضحية أخرى من السن ذاتها عن الوحدة والعزلة، إذ تشتاق لأطفالها وتشعر بأنها وحيدة في مواجهة مجتمعها، لكنها اليوم دائمة الابتسام في وجوه الجميع وتصل الليل بالنهار شكراً للخالق الذي أنقذها من براثن العصابة. وتهوى اليوم تعلم فنون الطهي من جميع الثقافات في مطبخ المركز. وأفصحت عن ارتياحها مع المشرفات اللواتي يحتضنها كفرد من العائلة، إذ تحفظ القرآن، وترتل الآيات بالتجويد، متمنية أن يلقى من أساء إليها جزاءه، والعودة سالمة إلى عائلتها. وأبانت ضحية عمرها 19 عاماً أنها عانت الويلات والمتاعب في حياتها على الرغم من صغرها، وتضررت كثيراً من ممارسات عصابات الاتجار بالبشر. وبرز عند حديثها خجل يرتسم على وجهها، رافقته الدموع المنهمرة، في استرجاع للذكريات الأليمة وتجربتها القاسية مع الاستغلال والإساءة. وأوضحت أنها كانت تحلم بدراسة الاقتصاد في الجامعة ورعاية والدها المريض، فضلاً عن امتهان الرسم كي توصل رسائل كثيرة إلى المجتمع، عن الحياة والأمل والثقة بالنفس والقدر. وتلفت طالبة جامعية الانتباه بابتسامة مشرقة على محياها، على الرغم من علامات الشحوب والحزن الدفين، إضافة إلى تفرّغها لممارسة الأنشطة الرياضية، متكلمة بلغة إنجليزية عن شغفها بالقراءة واستقاء المعارف من الكتب. وأكدت أن وجود المكتبة في المركز يجعلها تنسى قصتها التعسة لتعيش قصصاً عالمية تبعدها عن الواقع المؤلم والمحزن. واختصرت الطالبة الجامعية ما عاشته في لوحة تمثل دمية، قالبها الخارجي يصوّر وجهاً بشوشاً محبباً، إلا أن وجهها الداخلي يعكس خبثاً وغدراً وشراً. وحددت الطالبة المضمون المقصود من لوحتها في صديقتها التي غررت بها وساعدتها على السفر لتفاجأ بانقلاب الصديقة الجيدة المعطاءة إلى إنسان شرير استغلالي جعلتها فريسة لعصابة اتجار بالبشر. وتحفظ زوايا المركز وجدرانه قصص فتيات من أقاصي الدنيا جمعتهم المأساة ونهضت بهنّ أيادي الخير لمواجهتها، تحمل كل منهن حكاية مختلفة، تتشابه نهاياتها في استغلال وظلم وقسوة، ومن الضحايا أمهات وبنات وفتيات وقريبات، حملهن الطموح إلى نهايات صعبة بلا ذنب. ويُذكر أن سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس العليا لمؤسسة التنمية الأسرية رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، تبرعت بأرض لإنشاء مركز «إيواء» حرصاً من سموها على صون كرامة الضحايا والحد من معاناتهم وتحسين ظروف حياتهم. ودُشنت مراكز «إيواء» لضحايا الاتجار بالبشر، استناداً إلى قرار سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل حاكم أبوظبي في المنطقة الغربية رئيس هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، عام 2008 كجزء من خطة دولة الإمارات في مكافحة الاتجار بالبشر. وتتوزع في الدولة أربع أفرع إيواء للنساء والأطفال في أبوظبي، وأخرى في الشارقة ورأس الخيمة، إضافة إلى مركز ذكور استُحدث عام 2013. ويتيح المركز خدمة الخط الساخن طيلة 24 ساعة، ويُعد جسراً يربط المراكز بالضحايا المحتملين، ويرصد المُجرمين المتاجرين، مع الرد على الاستفسارات والتوعية الإنسانية. ويحمل مركز «إيواء» لضحايا الاتجار بالبشر رسالة عالمية في إعادة تأهيل الضحايا، والمساهمة بالوصول إلى مجتمع خال من كل الجرائم المذكورة، تجسيداً لشعار «الإنسانية كرامة لا مهانة». وتسعى أيضاً إلى حماية وتوفير المأوى المناسب لضحايا الاتجار بالبشر ورعايتهم اجتماعياً، وقانونياً، ونفسياً، وطبياً، وتعليمياً، عبر برامج توعوية وتأهيلية عدة، بغرض إعادة دمجهم في مجتمعاتهم وأوطانهم وحل مشاكلهم وحماية حقوقهم. وتؤمّن الدولة للضحايا كل أنواع المساعدة في مراحل التحقيقات لدى الشرطة وأمام المحاكم، وتضمن حق الدفاع عنهم، فضلاً عن دعم الضحايا في العودة الآمنة إلى أوطانهم. وتتولى التنسيق والتعاون مع الجهات المعنية للاهتمام بالقضايا الاجتماعية المتعلقة بالنساء والأطفال.
#بلا_حدود