السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

فتح فضائي

انضمت الإمارات إلى السباق الفضائي العالمي لاستثمار ثروات الكون بالإعلان عن نيتها إرسال مسبار علمي إلى المريخ بحلول العام 2021، في رحلة تستمر تسعة أشهر يقطع فيها أكثر من 90 مليون كيلومتر، وبميزانية سنوية تقدر بنحو 3.6 مليار درهم. وتصبح الإمارات، بهذه الخطوة التي تتزامن مع العيد الـ 50 لتأسيسها، الدولة التاسعة على مستوى العالم التي تملك برنامجاً فضائياً لاستكشاف الكوكب الأحمر، جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، واليابان، والهند، وبريطانيا، وفرنسا، وكوريا الجنوبية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف أسست الدولة وكالة الإمارات للفضاء، لتنسيق جهود جميع الأطراف الفاعلة في قطاع تكنولوجيا الفضاء الذي شهد ضخ أكثر من 20 مليار درهم في العقد الماضي فقط. ورغم أن الإمارات هي أحدث دولة تنضم إلى عضوية النادي الفضائي، إلا أنها تملك بنية تحتية فضائية ضخمة، تؤهلها لأن تكون أول دولة عربية ترسل مسباراً علمياً فضائياً إلى كوكب آخر. وتضم بنية الإمارات الفضائية التحتية شركات تعمل في مجالات فضائية عديدة، من بينها: شركة «الياسات» و«الثريا» و«دبي سات»، وهي شركات تعمل في مجال إطلاق الأقمار الصناعية، والاتصالات، والبث التلفزيوني، والمسوح والخرائط الجغرافية الكونية الرقمية، ونظم المراقبة، كما يتصدر أربعة إماراتيين قائمة المرشحين للانضمام إلى برنامج مشروع «المريخ 1» الذي تديره وكالة الفضاء الأمريكية لتوطين بشر على سطح المريخ. وعلى العكس من الكثير من البرامج الفضائية للدول الأخرى التي تكتسب طبيعة عسكرية، يركز البرنامج الإماراتي على الجوانب العلمية والاستثمار الاقتصادي لإمكانيات الفضاء الضخمة. وستسهم هذه الخطوة في تحقيق نقلة نوعية للاقتصاد الإماراتي وعملية التنمية بصفة عامة، عبر إيرادات تقدر بمليارات الدراهم المتوقعة من مشروعات البحث والتطوير، ما يسمح للإمارات بالاستحواذ على جانب مهم من شريحة الصناعات الفضائية العالمية، التي تقدر بنحو 1.1 تريليون دولار. وتشير دراسة حديثة بعنوان «الجدوى الاقتصادية لعمليات المسح المستقبلي لثروات الكويكبات» إلى أن الكويكبات الصغيرة يمكن أن تضم معادن نفيسة تصل قيمتها إلى عشرات التريليونات من الدولارات. وتؤكد الدراسة أن أصغر هذه الكويكبات المعروفة يحتوي على كمية من المعادن تعادل 40 مرة إجمالي المعادن التي استُخرجت من الأرض منذ بداية فجر التعدين. وتقدر الدراسة أن كويكباً متوسط الحجم يصل طوله إلى 24 متراً يمكن أن يضم 33 ألف طن من المعادن القابلة للاستخراج، من بينها طن واحد على الأقل من معادن العائلة البلاتينية، فيما يقدر ثمن عنصر البلاتين من بينها بنحو 50 مليون دولار. وتشمل قائمة المعادن الروديوم والبلاديوم والبلاتين والذهب واليورانيوم، وتوجد هذه المعادن بتركيزات منخفضة في الأرض، ما يجعلها مكلفة وصعبة الاستخراج. ويؤكد «جون سانشيز»، الباحث في معهد مفاهيم الفضاء المتطورة بجامعة «ستراسكليد البريطانية»، وأحد المشاركين في الدراسة، أن استثمار ثروات الفضاء لا يقتصر فقط على التنقيب عن المعادن، وإنما يشمل أيضاً استثمار هذه المعادن لتشييد هيكل معدني لمحطة طاقة شمسية فضائية بقوة 100 غيغاواط لضخ حزم الطاقة إلى الأرض، كما أنها يمكن أن تعمل كمحطات تزود بالوقود لصواريخ دفع المركبات الفضائية. ويتوقع «سانشيز» أن تصل قيمة صناعة التعدين الفضائي خلال السنوات القليلة المقبلة إلى تريليون دولار، مشيراً إلى أن الاستغلال الكامل لثروات الكويكبات الموجودة فقط في مدارات المشتري والمريخ يعني منح 100 مليار دولار لكل فرد من سكان الأرض. الفضاء يمطر ثروات يؤكد مؤلف كتاب «تنقيب السماء» البروفيسور جون لويس والأستاذ الزائر بمعمل الأبحاث القمرية والكواكبية بجامعة أريزونا أن ثروات الفضاء أكبر من كل ما يمكن أن يخطر على خيال البشر حتى في أكثر أحلامهم شططاً وجنوحاً. ويضم حزام الكويكبات القريب من الأرض، والموجود في المسافة بين مدارات كوكب المريخ وكوكب المشتري ثروات تكفي لإعالة سكان عشرين كوكباً بتعداد سكان كوكب الأرض نفسه البالغ عددهم سبعة مليار نسمة، أي ما يعادل 280 مليار نسمة. ويعتمد تحديد وجود المعادن في تربة الكويكبات على دراسة الضوء المنعكس منها، إلا أن الطريقة الأدق تتمثل في جلب عينات من تربتها إلى الأرض لتحليلها، وتعد اليابان حالياً الدولة الوحيدة التي نجحت في تحقيق ذلك، إلا أن الولايات المتحدة تخطط لإرسال بعثة فضائية لجلب عينات من الكويكبات إلى الأرض في أقرب وقت. مناجم الفضاء حقيقة أغرب من الخيال لم يحتج العالم سوى ثلاثين عاماً فقط ليحول الخيال العلمي إلى حقيقة عبر تأسيس شركة بلانتري ريسورسيز، وهي تحالف يضم أباطرة صناعة التكنولوجيا وقياصرة صناعة السينما، وسلاطين المال والأعمال لاستغلال موارد الفضاء وعلى رأسها الذهب والبلاتين والمعادن النفيسة. وتؤكد الشركة التي تتخذ من مدينة سياتل الأمريكية مقراً لها أنها بدأت بالفعل في إنتاج أسطول من البشر الآليين أو أجهزة الروبوت الخاصة لاستخدامهم في عمليات التنقيب واستخراج الذهب والبلاتين من الكويكيبات القريبة من كوكب الأرض. ويصف مؤسس الشركة وعضو مجلس إدارة مؤسسة إكس برايز المعنية بتشجيع الكشوف الفضائية للقطاع الخاص الدكتور بيتر ديمونداليز، الكويكبات بأنها ثمار النظام الشمسي المتدلية قريباً من الأرض والتي يمكن الوصول إليها بسهولة. وينفي بيتر أن يكون المشروع خيالياً، مشيرا إلى أن جميع عناصر المشروع قد اكتملت بفضل التطور الهائل في تكنولوجيا المركبات الفضائية الخاصة، وتقنيات المسح الجيولوجي ومجاعة المعادن التي تعيشها الأرض، والتي تسببت في ارتفاع جنوني في أسعارها، ما جعل تكلفة التنقيب عن البلاتين على سبيل المثال تزيد بنسبة تتراوح بين 16 في المئة و20 في المئة سنوياً. ويؤكد بيتر أن هدف الشركة لا يقتصر على جني الأرباح والثمار فقط، وإنما أيضاً تعميق فهم البشرية لقوانين الكويكبات بما في ذلك الحيلولة دون اصطدام أحدها بكوكب الأرض. جدوى اقتصادية لا يستهدف رجال المال والأعمال والمستثمرون الذين يقفون وراء مشروعات استغلال الفضاء الترفيه والتسلية، وإنما يدركون جيداً القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذه المشروعات، رغم أن كثيراً من الخبراء يستقبلون الإعلان عن تأسيس هذه المشاريع بمزيج من الدهشة والتشكيك في قدرتها على تحقيق الأرباح، حتى ولو كانت أسعار الذهب والبلاتين حالياً قد تخطت حاجز 1600 دولار للأونصة. ويلفت مختصون إلى أن مشاريع التعدين الفضائي غير مجدية حالياً، مشيرين إلى أن وكالة الفضاء الأمريكية تكلفت مليار دولار لجلب 60 غرام من تربة الكويكبات إلى الأرض. عقبات قانونية يرى الكثير من الخبراء أن الجدوى الاقتصادية ليست العقبة الوحيدة التي تعترض طريق الاستغلال التجاري لثروات الفضاء، وإنما هناك صعوبات قانونية لا تقل تعقيداً. ويوضح البروفيسور هنري هرتزفيلد أستاذ الشؤون الدولية والسياسات الفضائية في جامعة جورج واشنطن أن هناك تضارباً شديداً في آراء الخبراء القانونيين حول ملكية الثروات الفضائية، وما إذا كان من حق دولة أو حكومة أو فرد ادعاء ملكيتها، لأنها ملك لكل سكان الأرض. ويضيف هنري أن القانون الدولي غير واضح في هذه النقطة، وهناك العديد من الثغرات والقضايا الشائكة التي يتعين حسمها قبل بدء عصر الاستغلال التجاري لثروات الفضاء، والفشل في تحقيق ذلك يعني فتح الجراح القديمة للسباق الفضائي السلبي. ويوضح هنري أن المناقشات بشأن القواعد الدولية المنظمة للاستغلال التجاري لثروات الفضاء انتقلت من خانة الدراسات الأكاديمية القانونية إلى خانة المنازعات التجارية الدولية. ويضيف هنري أنه على الرغم من أن اتفاقية الفضاء الخارجي OST نصت على أنه ليس من حق أي دولة ادعاء السيادة على الكواكب والأقمار والنجوم، إلا أن قضية الملكية الفكرية في الفضاء ما زالت محاطة بالغموض.
#بلا_حدود