الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

فقر وفساد

تلعب الموارد الطبيعية دوراً رئيساً في تفجر النزاعات المسلحة حول العالم، وبحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة البيئي فإن 40 في المئة من الصراعات التي شهدها العالم خلال الــــ 60 عاماً الماضية كانت بسبب نزاعات حول الموارد الطبيعية. وعلى الرغم من أهمية الدور الذي تلعبه الموارد الطبيعية فإن المشكلة لم تعالج بصورة كافية، ويرجع غياب النزاعات المسلحة حول الموارد الطبيعية عن أجندة الاهتمامات الدولية إلى سببين؛ الأول أن المشكلات والنزاعات المسلحة حول الموارد الطبيعية تتميز بطبيعة فنية معقدة، أما السبب الثاني فيعود إلى أنها تتسم بحساسية سياسية شديدة. وفي الوقت الذي ينأى فيه السياسيون بأنفسهم عن التورط في حل النزاعات المسلحة حول الموارد الطبيعية بسبب تعقيداتها الفنية، فإن الخبراء الفنيين ينأون بأنفسهم عن الدخول فيها بسبب طبيعتها السياسية، وتدرك الأمم المتحدة هذه الفجوة، وتسعى إلى التعامل معها والتغلب عليها. ويؤكد البروفيسور ريتشارد أوتي في كتابه «مواصلة التنمية في الاقتصاديات التعدينية» أن الموارد التعدينية يمكن أن تصبح لعنة في الدول غير الديمقراطية، وقد توصل المؤلف إلى نتيجة مفادها أن الدول غير الديمقراطية التي تملك موارد طبيعية ضخمة تحقق معدلات نمو أقل، مقارنة مع الدول التي لا تملك هذه الموارد. وتوصل المؤلف إلى ظاهرة أخرى ترتبط بلعنة الموارد الطبيعية أطلق عليها اسم المرض الهولندي، وهو تعبير يشير إلى ركود اقتصادي غير مبرر يصيب الاقتصاديات عقب اكتشاف موارد طبيعية ضخمة. وحاول كثير من الخبراء الاقتصاديين تفسير ظاهرة المرض الهولندي، وتركزت أغلب التفسيرات حول الأرباح الضخمة التي تتولد نتيجة اكتشاف الموارد الطبيعية، والتي تغري بقية المستثمرين بالتوجه نحو قطاع الصناعات التعدينية وإهمال بقية القطاعات الأخرى. وركزت بعض التفسيرات الأخرى على أن الأرباح وزيادة الدخل القومي ينشطان الطلب ويخلقان ضغوطاً تضخمية نتيجة نمو الثروة بمعدل أسرع من نمو الإنتاج، والنتيجة الطبيعية لذلك هي ما يطلق عليها خبراء الاقتصاد الركود التضخمي. ومن المهم الإشارة إلي أن المرض الهولندي ليس حتمياً في كل الحالات التي تكتشف فيها موارد طبيعية ضخمة، فدول أخرى مثل أستراليا والنرويج وكندا تمكنت من تحقيق معدلات تنمية كبيرة بفضل اكتشاف موارد طبيعية ضخمة، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى إصابتها بأعراض المرض الهولندي. وتقتضي هذه النماذج التفرقة بين الحالات التي يكون فيها اكتشاف الموارد الطبيعية نقمة، وبين الحالات التي يكون فيها اكتشاف الموارد الطبيعية نعمة. وحاول ريتشارد أوتي تفسير هذا التناقض بالاستناد إلى جودة المؤسسات التي تتولى إدارة وتوجيه الموارد الطبيعية المكتشفة لخدمة التنمية بمعناها الشامل. وبصفة عامة فإن الدول الديمقراطية التي تملك مؤسسات قوية تصبح محصنة ضد لعنات الموارد الطبيعية، إلا أن بعض الخبراء الاقتصاديين يشيرون في المقابل إلى أن المؤسسات تميل إلى أن تكون أقل جودة في ظل وجود البترول والموارد الطبيعية وهذا ينطبق على النفط والمعادن والأحجار الكريمة التي كانت سبباً في اندلاع حروبٍ أهلية وثورات. ويذهب بعض الخبراء الاقتصاديين إلى أن تحول الموارد الطبيعية من نعمة إلى نقمة لا يرتبط بجودة المؤسسات بقدر ما يرتبط بتوافر الكوادر البشرية المؤهلة كنسبة من إجمالي السكان. وتظهر دراسة للبنك الدولي بعنوان «كفاءة الحكومات والسيطرة على الفساد» إلى أن قطاع استخراج الثروات الطبيعية من أكثر القطاعات التي يتفشى فيها الفساد نتيجة تنافس شركات دولية عملاقة متعددة الجنسيات على الحصول على الامتيازات التعدينية من خلال دفع رشى للحصول على العقود. وتجد الشركات متعددة الجنسيات نفسها مدفوعة للانحياز إلى فريق سياسي ضد آخر في الدول التي تعمل بها، لأنها تشعر بأن مصالحها مع طرف بعينه تسمح لها بمزيد من الامتيازات أو تعفيها من اشتراطات تكلفها أموالاً طائلة، وقد يصل الحال ببعض هذه الشركات إلى تدبير انقلابات عسكرية وتمويل حركات تمرد. ويشير أغلب الخبراء الاقتصاديين إلى أن التأثير الاقتصادي للموارد الطبيعية في التنمية يميل إلى زيادة سعر صرف العملة وفي الوقت نفسه رفع نسبة التضخم، وهذا يجعل صادرات الدولة أقل تنافسية، ما يلحق ضرراً فادحاً بالصناعات الأخرى، نتيجة تدني سعر الاستيراد، ويؤدي إلى إغلاق الكثير من الصناعات المحلية. وتملك دول جنوب شرقي آسيا تجربة مهمة في مجال تحصين اقتصادياتها ضد لعنة الموارد الطبيعية من خلال تشجيع الصادرات المضافة بدلاً من تصدير المواد الخام. الموارد الطبيعية جسر للسلام الدولي يمكن للموارد الطبيعية أن تكون سبباً في تفجير الحروب وتفاقم الصراعات المسلحة وفي الكثير من مناطق العالم الساخنة، وحتى ولو لم تتفجر الصراعات حول الموارد الطبيعية ذاتها، فإنها تلعب دوراً حيوياً في استمرار الصراع لفترات طويلة بسبب قدرتها على توفير الموارد المالية التي تحتاجها آلة الحرب. ولكن وفي المقابل فإن الموارد الطبيعية يمكنها أن تلعب دوراً مهماً في ترسيخ التعاون بين الدول وبناء علاقات الثقة بين الأطراف المتحاربة. ويتزايد الاعتماد على الموارد الطبيعية لخلق إطار عمل يمكن من خلاله للأطراف المتحاربة أن تجني ثماراً عديدة، ومن ثم تتشجع على المضي قدماً في عملية السلام. وعلى سبيل المثال فإن اتفاقية مياه الأندوس بين الهند وباكستان تمثل نموذجاً جيداً للاتفاقيات المشتركة حول الموارد الطبيعية والتي أثبتت قدرتها على الصمود في وجه التحديات منذ توقيعها عام 1960، على الرغم من أن الدولتين خاضتا ثلاثة حروب منذ ذلك التاريخ. وكان اقتسام عوائد البترول عاملاً أساسياً في التوصل لاتفاق سلام في السودان، وبعبارة أدق فإن الموارد الطبيعية تملك قدرة على بناء السلام مثلما تملك قدرة على إشعال الحرب. ولكن من المهم اختيار الطرف الذي يتوسط بين أطراف النزاع حول الموارد الطبيعية، وفي كثير من الأحيان تفشل عملية الوساطة عندما يكون الوسيط محلياً، بينما يكون حظ النجاح أوفر حينما يكون الوسيط طرفاً خارجياً. وإذا كان الوسيط الأجنبي يتمتع بميزة الحياد -على الأقل من الناحية النظرية- فإن الوسيط المحلي يتمتع بميزة الإلمام بالسياق المحلي للصراع، ومعرفة الحساسيات الثقافية والحضارية التي يدور على خلفيتها الصراع. وتثبت الخبرة التاريخية الدولية المتراكمة في حل الصراعات حول الموارد الطبيعية أن الوسطاء المحليين يظهرون حساسية أكبر تجاه تطوير العلاقة بين أطراف النزاع، بدلاً من التركيز على التفاصيل الفنية للصراع كما يفعل الوسطاء الدوليون. ويتمتع الوسطاء المحليون بميزة إضافية، وهي بقاؤهم على الأرض طوال الوقت، ومراقبة التزام جميع الأطراف بالاتفاقيات التي تم التوصل إليها، وبصفة عامة فإن الوسطاء المحليين يلعبون دوراً مهماً في تطبيق الاتفاقيات. ولكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن تقييم نجاح دور الوسطاء المحليين مثله مثل أي شيء في عملية التفاوض يعتمد على سياق الصراع. الأمم المتحدة تصوغ دستوراً لحل النزاعات وضعت الأمم المتحدة كتيباً إرشادياً هو الأول من نوعه حول استراتيجيات الوساطة لحل النزاعات المسلحة حول الموارد الطبيعية، وشارك في إعداد الكتيب الذي يعد دستوراً لحل النزاعات، عدد من أبرز الخبراء الدوليين من بينهم البروفيسور مايكل براون من جامعة ماكجيل. ويستند الكتيب إلى حصيلة ضخمة من التجارب العملية للتوسط في نزاعات الموارد الطبيعية، وبصفة خاصة الموارد الطبيعية التعدينية. ويقسم الكتيب عملية الوساطة إلى مراحل عدة تبدأ بالتقييم وتصميم الحل والتفاوض عليه ثم تطبيقه، ويعرض الكتيب مجموعة من الاستراتيجيات والنصائح. ويركز الكتيب بصفة خاصة على الموارد الطبيعية الاستخراجية مثل البترول والغاز والمعادن، كما أنه يتناول أيضاً النزاعات حول المياه والأراضي، ويسلط الكتيب الضوء علي أهمية وضع أسس اقتسام وتشارك الموارد الطبيعية في اتفاقيات السلام. حروب المياه أخطر من حروب البترول أظهر تقرير للأمم المتحدة بعنوان «أزمة المياه العالمية» أن 46 دولة يمكن أن تدخل في صراعات مسلحة حول مصادر المياه بحلول عام 2025، محذراً من أن ندرة المياه ليست فقط محفزاً للحرب وإنما أيضاً مدمرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتهدد أهداف التنمية الألفية. وتسعى الكثير من الأدبيات الكلاسيكية للاقتصاد السياسي للإجابة عن تساؤل مهم وهو إمكانية نشوب حروب بين الدول حول مصادر المياه. وتنطلق أغلب الكتابات من أنه إذا كان من الممكن أن تندلع حروب بين الدول حول البترول الذي يمثل عصب الحياة الحديثة، فمن باب أولى أن تندلع حروب بين الدول حول المياه التي تمثل عصب الحياة نفسها. ويرى كثير من الخبراء أن هذه المقولة تنطوي على مغالطات شديدة، وعلى سبيل المثال فإن إطعام شخص واحد لمدة عام يحتاج إلى ألف متر مكعب من المياه لإنتاج ما يكفيه من الغذاء.
#بلا_حدود