السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

صراع على مكاسب الأسواق

ظهر صدام حتمي بين السياسة والاقتصاد منذ انتشار الديمقراطية في العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فالرأسمالية تريد أن تخصص الموارد عبر آلية السوق، بينما تقرر السياسة الأولويات العامة عبر التصويت. واستغرق الاقتصاديون على وجه الخصوص وقتاً طويلاً لإدراك هذا التعارض الحتمي، وبدلاً من ذلك كانوا يميلون إلى القول بأن الأسواق عالم قائم بذاته خارج نطاق تحكم السياسة، وكانت نظرتهم إلى السياسة تنطلق من كونها قوة تقحم نفسها في الأسواق التي تنظم نفسها بنفسها. وعلى الرغم من أن الطريقة التي تفاعلت بها السياسة مع الاقتصاد رسمت مسار التطور في العالم، إلا أن الصراع بين الديمقراطية والرأسمالية والصيغ التوافقية التي يتعين على كل معسكر أن يتوصل إليها مع المعسكر الآخر، شكلت البيئة السياسية والاقتصادية للعالم في العقود الثلاثة التي تلت الحرب العالمية الثانية. وبصورة تقليدية كان دور الديمقراطية يتمثل في وضع القواعد وترويض الأسواق عبر قوانين الحماية العمالية والتشريعات المالية، وتوسيع شبكة الرعاية الاجتماعية، ولكن منذ مطلع السبعينات حررت موجات العولمة المتعاقبة الرأسمالية من كثير من التشريعات التي كانت تقيد حركتها، وتغلبت على التشريعات الوطنية التي كانت تحول دون عبورها للحدود، وأما اليوم فإن الرأسمالية والرأسماليين يضعون القواعد التي يتعين على الحكومات الديمقراطية اتباعها. وأدى تحكم رأس المال في السياسة إلي غضب شعبي عارم، وبصفة خاصة أوساط الطبقة الوسطين ولا سيما العمال الذين يعانون من اتساع فجوة اللامساواة وضمور نمو أجورهم الحقيقة، في الوقت الذي تهرول فيه الحكومات لإنقاذ المؤسسات المالية مع ظهور أول علامة على تعرضها لمشكلات مستخدمة أموال دافعي الضرائب. وتشعر الطبقة الوسطي أنها ضحية لتطور الأسواق ما يدفعها لاختيار الأحزاب والمرشحين الشعبويين المعادين لحرية التجارة، وفتح الحدود أمام الاستثمارات الأجنبية باسم حماية حقوق العمال، وهذا الاتجاه واضح في الولايات المتحدة وأوروبا. وتجد شرائح واسعة من السكان صعوبة في قبول منطق أن قدرهم يفرض عليهم تحمل تكلفة التكيف مع المتغيرات الاقتصادية. المؤسسات المالية تقود تقاسم ثروة المشروع الاستعماري على الرغم من أن أصول الرأسمالية ترعرت في طرق التجارة القديمة بين شبه الجزيرة العربية والصين، إلا أنها رسخت جذورها في أوروبا على يد التجار الذين تحالفوا مع رجال المال واستخدموا قوة الدولة الحديثة لإخضاع أسواق الدول الفقيرة لبيع السلع تامة الصنع ومبادلتها بالعبيد، الذين بيعوا في الأمريكتين مقابل القطن والسكر، والذي كان يباع بدوره في الدول الأوروبية. واحتاجت الاستثمارات الضخمة التي تطلبها المشروع الاستعماري إلي تأسيس شركات مشتركة تتقاسم المخاطر، وأدى هذا بدوره إلي ظهور الرأسمالية المالية وبداية عصر البورصات المالية في مدينتي انتيرب البلجيكية عام 1531 وأمستردام الهولندية عام 1611. وبصرف النظر عن المآسي الاستعمارية التي جلبتها الرأسمالية إلى الشعوب الفقيرة، إلا أن الحاجة لتقاسم الثروة الهائلة التي ولدتها الرأسمالية، كانت هي القوى الدافعة أمام ظهور الديمقراطية وإلغاء العبودية وبداية الثورة الصناعية ونشأة المدن العملاقة.ولكن منذ عام 1980 ظهر تغير دراماتيكي عندما أصحبح الجانب الأكبر من الأرباح التي يحصل عليها الرأسماليون يستمد من القطاع المالي أكثر مما يستمد من الاستثمارات الحقيقية. ويطلق الاقتصاديون على هذا التطور تعبير ململة (المال) الاقتصاد، وهو تطور أدى إلي تغيرات جوهرية في النظام الرأسمالي ذاته. وبعكس صور التمويل الأولى، أصبح التمويل الحديث يحابي الشركات غير المنتجة التي لا تسهم في النمو الاقتصادي على حساب الشركات المنتجة التي تقود النمو الاقتصادي وزيادة الثروة. وأدى هذا بدوره إلى تضخم هائل في حجم المديونيات العامة والخاصة، ما أصاب الرأسمالية في مقتل. الشركات تشرِّع للحكومات في الأحوال المثالية يفترض أن يؤدي توسيع الأسواق الرأسمالية إلى التوظيف الكامل وحرية انتقال العمالة من شركة إلى أخرى، ويعني هذا زيادة الأجور بصرف النظر عن مستويات الإنتاجية، وبالتالي تآكل هوامش أرباح الشركات نتيجة عدم السيطرة على مستويات التضخم. وحتى تتمكن الشركات من السيطرة على النظام الذي أسهمت في خلقه، فإنها غلّبت عامل استقرار الأسعار على عامل التوظيف الكامل. تسببت هذه السياسة بمرور الوقت في تآكل شبكة الحماية والرعاية الاجتماعية، وبعبارة أدق استبدال منظومة البطالة بمنظومة التوظيف. وضغطت الاتحادات التي تمثل مصالح الرأسماليين ورجال الأعمال على الحكومات لخفض الضرائب. وتسبب خفض الضرائب، في الوقت الذي تعاني فيه الاقتصادات من الركود، في تقليص الإيرادات الحكومية واتساع عجز الموازنات العامة وزيادة مستويات أسعار الفائدة نتيجة صعوبة تمويل العجز. وفرض النمو غير المنضبط للقطاع المالي على المستثمرين البحث عن أصول آمنة يمكن تسييلها بسهولة وتحقيق عوائد مجزية عن طريق إقراض الحكومات لتمويل عجز الميزانيات. وأصبحت الحكومات أقل رغبة في فرض الضرائب على أصحاب رؤوس الأموال حتى تضمن استمرار التمويل بالاستدانة، وكانت الضرائب التي يدفعها العمال مصدر سدد العوائد المجزية التي يسعى إليها الرأسماليون. وبعبارة أدق أصبحت السندات التي يشتريها الرأسماليون نوعاً من الفيتو على السياسات الحكومية التي لا يرغبون فيها، وهناك عشرات الأمثلة على ذلك في مقدمته الأرجنتين في مطلع العام الجاري واليونان في عام 2015. وسمحت هذه التغييرات للرأسماليين باستعادة مصادر أرباحهم ليس فقط عبر السندات الحكومية وإنما أيضاً عبر قطع الطريق على العمال للمطالبة بزيادة الأجور. وترى الأحزاب الشعبوية أن مصالح صناعة المال أصبحت هي الدستور الحقيقي الذي يحكم سلوك الحكومات المدينة. وعلى سبيل المثال فإن حصة نسبة الواحد في المئة من أغنى المواطنين الأمريكيين من الثروة تضاعفت في العقود الثلاث الماضية في حين بقيت مستويات دخول 60 في المئة من العمال كما هي بدون تغير. وتفاقمت الأمور أكثر عندما اختارت الحكومات تمويل المؤسسات المالية المنهارة أثناء الأزمة المالية العالمية عام 2008 من الأموال العامة وتعويض ذلك عبر تطبيق سياسات تقشفية تعتصر الطبقة العاملة. ترامب وكلينتون يقودان صدام الثراء والفقر التباين الشديد بين الخطة الاقتصادية للمرشح الجمهوري دونالد ترامب والخطة الاقتصادية لمنافسته هيلاري كلينتون يعكس المأزق الذي وصلت إليه الرأسمالية، ليس فقط في الولايات المتحدة وإنما أيضاً في أوروبا. وفي حين يبني ترامب خطته على خفض كبير في الضرائب يستفيد منه الأغنياء، تبنى خطة هيلاري على فرض المزيد من الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة. وفي الوقت الذي تفضل فيه كلينتون رفع الحد الأدنى للأجور، يفضل ترامب معالجة القضية على مستوي الولايات وليس علي المستوي الاتحادي. ويرى ترامب أن الطبقة الوسطي سحقت نتيجة الاتفاقات التجارية والعولمة وخطط الشركات المشينة لنقل الوظائف خارج الولايات المتحدة، بينما تؤمن كلينتون بأن إعادة بناء الطبقة المتوسطة يتطلب دعماً حكومياً للتعليم العالي وتأهيله المهني، وهي ترغب في أن تضغط على الشركات من أجل أن تتقاسم ارباحها مع الموظفين وترفع رواتبهم. وهذا التباين الشديد له جذوره الممتدة في الكيفية التي نشأت بها الرأسمالية وتطورت من رأسمالية تجارية إلى رأسمالية استعمارية قبل أن تصبح رأسمالية مالية.
#بلا_حدود