الأربعاء - 29 سبتمبر 2021
الأربعاء - 29 سبتمبر 2021

حرب ملاذات ضريبية

يفتح السباق نحو القاع بين الملاذات الضريبية الآمنة حول العالم الطريق أمام نظام الظل المصرفي، وهو لا يتسبب فقط بحماية الثروات الهاربة من الملاحقة الضريبية، وإنما يدمر أيضاً الاقتصاد العالمي. وتقر رئيسة البنك المركزي الأمريكي جانيت يلين بأن بنوك الظل تشكل تحدياً هائلاً للاقتصاد العالمي، ويجمع الاقتصاديون على أن ترك الحبل على الغارب لمؤسسات الظل المصرفي سيؤدي إلى أزمة مالية عالمية جديدة تلوح بوادرها في الأفق. ويقدّر تقرير أصدرته لجنة الاستقرار المالي الدولية المعنية بمراقبة النظام المالي العالمي في عام 2015 حجم أصول نظام الظل المصرفي في نحو 26 مركز أوفشور حول العالم بنحو 135 تريليون دولار، فيما يقدر حجم الثروات الهاربة من الملاحقة الضريبية في الملاذات الآمنة بنحو 32 تريليون دولار. ويقلص الدور المدمر الذي تلعبه الملاذات الضريبية القاعدة الضريبية للحكومات، ما يؤدي بدوره إلى تراجع نسب النمو ورفع الدعم وتكبيل قدرة الحكومات على زيادة الرواتب والأجور لتواكب غلاء المعيشة، وتقليص الإنفاق العام على الخدمات، ولا سيما الصحة والتعليم. وبعد أكثر من سبع سنوات على انهيار النظام المالي العالمي الذي بدأ في عام 2008 ما زال المشرعون والمستثمرون غارقين في بحر من الدعاوى القضائية ضد الغش والاحتيال الذي مارسته البنوك. وترتبط الغرامات التي فرضت على البنوك الأمريكية بالدور المشين الذي لعبته في تضخيم حجم فقاعة الرهن العقاري التي كانت السبب الرئيس في انهيار النظام المالي العالمي، حيث بلغت حصة احتيال الرهن العقاري من إجمالي الغرامات نحو 110 مليار دولار. ووصلت قيمة الغرامات المفروضة على البنوك حتى الآن أكثر من 200 مليار دولار في الولايات المتحدة فقط، وكان هذا المبلغ كافياً لإبعاد شبح الفقر العالمي لمدة سبع سنوات في الفترة ذاتها، وكان ثلث هذه الغرامات فقط كافياً لمنع معدل الوفيات من الزيادة على مستوى العالم. ولم يذهب ولو سنت واحد من هذه الغرامات لتقديم المساعدات للدول التي تحتاج إليها بشدة، والتي تضررت من عدم وفاء الدول المانحة للمساعدات بوعودها في أعقاب الأزمة المالية العالمية. مؤسسات الظل المصرفية تتحكم في مراكز صنع القرار يشير نظام الظل المصرفي إلى الوسطاء الماليين المشاركين في خلق الائتمان في النظام المالي العالمي، ولكنهم لا يخضعون للتشريعات والقوانين، كما يشير المصطلح أيضاً إلى الأنشطة غير الشرعية للمؤسسات المالية المرخصة. ويشمل نظام الظل المصرفي شركات أنظمة الدفع عبر الموبايل ومواقع الإقراض ومنصات الإتجار في السندات التي تديرها شركات التكنولوجيا وشركات إدارة الصول وصناديق التحوط. ويرتبط كبار اللاعبين في نظام الظل المصرفي، والذين كانوا سبباً رئيساً في تفجّر الأزمة المالية العالمية، ارتباطاً وثيقاً بمراكز الأوفشور المالية، وعادة ما تتورط هذه البنوك في تأسيس شركات وهمية في هذه المراكز التي تنتشر في عدد من الدول مثل لكسمبورغ وكايمان وسنغافورة. ويسمح تأسيس هذه الشركات، التي لا تظهر في الميزانيات الرسمية للبنوك، بإخفاء المخاطر الحقيقية التي تعانيها ميزانياتها، وعندما تنهار هذه الشركات، وهوما يحدث عادة، فإن هذه الشركات تتحول إلى ثقوب سوداء تبتلع رؤؤس أموال البنوك. وتؤسس أغلب مؤسسات الظل المصرفي في مراكز الأوفشور وتمنح إعفاءات ضريبية وتسهيلات ضخمة. الشركات الوهمية تسمح للبنوك بإخفاء مخاطر الميزانيات تؤكد شبكة العدالة الضريبية أن تقاعس السياسيين عن إنهاء السرية المصرفية يعود إلى ما يسمى بسباق التحكيم بين مراكز الأوفشور لمنح أكبر قدر من الامتيازات لجذب رؤوس الأموال، وعليه فإن التصدي للممارسات الخاطئة يعني أن هذه الأموال ستهرب من المراكز التي تحاول التصدي للممارسات الخاطئة، وهذا يعني ببساطة أن مصالح القطاع المالي تتحكم في عملية صنع القرار السياسي وتوجهه حيث تشاء. وعلى الرغم من تصريحات قادة العالم، فإن أزمة الديون ما زالت أبعد ما تكون عن خط النهاية، وما زالت الدول الدائنة تحنث بالوعود التي قطعتها على نفسها قبل تسع سنوات بإلغاء ديون الدول الفقيرة غير القابلة للدفع، ونتيجة لذلك، ما زالت هذه الدول تنفق نسبة من دخلها القومي على سداد الديون وفوائدها أكبر مما تنفقه على تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها. وتعادل الديون المطلوب سدادها نحو عشرة في المئة فقط من إجمالي الأموال المكدسة في ملاذات الأوفشور الضريبية الآمنة. مراكز أوفشور تستحوذ على 25 % من إجمالي النظام المالي العالمي قدّرت لجنة الاستقرار المالي العالمي حجم الأموال في نظام الظل المصرفي نهاية عام 2011 بنحو 67 تريليون دولار، وهو ما يعادل 25 في المئة من إجمالي النظام المالي العالمي. وبحسب لجنة الاستقرار المالي، استحوذت الولايات المتحدة على 40 في المئة من إجمالي حجم رؤوس الأموال في نظام الظل المصرفي في نهاية عام 2014، تلتها بريطانيا بحصة 11 في المئة، وأيرلندا بحصة ثمانية في المئة والصين بحصة ثمانية في المئة أيضاً، وألمانيا بسبعة في المئة، واليابان بسبعة في المئة، وفرنسا بحصة أربعة في المئة، وكندا بثلاثة في المئة، وكوريا الجنوبية باثنين في المئة، وهولندا بحصة باثنين في المئة. بينما استحوذت الاقتصادات الناشئة التي تضم البرازيل والهند والأرجنتين وروسيا وتركيا على حصة أربعة في المئة. وزادت الأصول المالية لأكبر 20 مركز أوفشور في العالم (غير شاملة أصول صناديق التحوط وشركات التأمين) بنحو1.6 تريليون دولار لتصل إلى نحو 80 تريليون دولار، أي ما يعادل 128 في المئة من إجمالي الناتج العالمي، وهي نسبة تقترب من نسبة 130 في المئة التي كانت عليها وقت تفجر الأزمة المالية العالمية في عام 2008. نصف سكان العالم يعيشون على أقل من 3 دولارات يومياً يعيش نصف العالم تقريباً، أو ما يعادل ثلاثة مليارات نسمة، على أقل من ثلاثة دولارات يومياً، وهناك نحو 1.3 مليار نسمة يعيشون في فقر مدقع على أقل من 1.5 دولار يومياً. ووفقاً لمنظمة اليونيسيف يعاني نحو مليار طفل في العالم فقراً مدقعاً، ويموت 22 ألف طفل يومياً من الفقر، وأغلب هذه الحالات يمكن منعها. ويعيش نحو 85 في المئة من إجمالي سكان العالم في الشطر الأكثر جفافاً من الكرة الأرضية، وهناك نحو 2.5 مليار نسمة يفتقرون إلى الرعاية الصحية، ويموت سنوياً ما بين ستة إلى ثمانية ملايين نسمة بسبب الأمراض المرتبطة بتلوث المياه.
#بلا_حدود