السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

الصعود إلى القمة

تتولى الصين في عام 2016 رئاسة مجموعة العشرين التي تمثل اقتصاديات دولها نحو 80 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي. وتتيح الرئاسة الصينية للمجموعة، والتي تتزامن مع تزايد النفوذ الصيني في حركة التجارة الدولية ونمو الاقتصاد العالمي، الفرصة لبكين لصياغة جدول أعمال المجموعة، وتوجيه دفة الاقتصاد العالمي، في وقت تتسارع فيه وتيرة انتقال مركز الثقل في الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق. وتتطلع الصين أثناء رئاستها لمجموعة العشرين إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية العالمية وضمان نمو متوازن للجميع. ويتربع تحصين النظام العالمي ضد الصدمات على رأس أولويات الصين، وهي خطوة متوقعة على نطاق واسع بعد أن اكتوت الصين بنيران الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وأجبرت على تغيير نمط النمو الاقتصادي القوي القائم على التصدير للأسواق الخارجية، واستبداله بنموذج آخر يعتمد على الاستهلاك في السوق المحلي للمحافظة على معدلات نمو قوية، وهي خطوة فرضت على بكين سلسلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لم تكن على جدول أعمال الحزب الشيوعي الحاكم على الأقل في المدى القريب. وترى الصين أن نقطة البداية في تحصين الاقتصاد العالمي من الصدمات والأزمان هي تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي كعملة احتياط دولية للتجارة والاستثمار والتمويل. ومن الناحية العملية، فإن تحصين النظام الاقتصادي والمالي العالمي من الأزمات والصدمات المحفورة في الجينات الوراثية للدولار الأمريكي هو حصان طروادة الذي ترغب الصين من خلاله في إزاحة الدولار الأمريكي تدريجياً عن زعامة أسواق العملات، وهذه النقطة تحديداً هي الأساس الذي تستند عليه السيطرة الأمريكية على حركة التجارة الدولية والاقتصاد العالمي عبر قدرتها على طبع الدولارات دون قيود، لمواجهة الطلب على الدولار كعملة احتياط دولية. وحتى تنأى الصين بنفسها عن شبهات إزاحة الدولار من طريقها قررت إنشاء مجموعة عمل برئاسة كل من كوريا الجنوبية وفرنسا لوضع مقترحات لتحصين الاقتصاد العالمي، بما في ذلك تعزيز دور سلة عملات الاحتياط لصندوق النقد الدولي المعروفة باسم حقوق السحب الخاصة، والتي أصبحت العملة الصينية «اليوان» عضوة فيها إلى جانب الدولار واليورو والإسترليني والين الياباني. وفي الواقع فإن الاقتراحات الصينية يمكن أن تؤدي إلى تغييرات جذرية في أنماط التجارة العالمية، وبصفة خاصة، إذا ما تبنت الدول الأعضاء في مجموعة العشرين الاقتراح الصيني الخاص بتسعير بعض السلع، وبصفة خاصة البترول باستخدام وحدات السحب الخاصة، وهذه الخطوة يمكن أن يكون لها انعكاسات استراتيجية لدول الخليج المصدرة للنفط وبخاصة السعودية، وهي عضو في مجموعة العشرين وأكبر منتج للنفط في العالم. وفي الوقت الذي يغيب فيه دور الولايات المتحدة صاحبة العملة الأكثر هيمنة في العالم عن جهود ترميم النظام المالي العالمي، تركز الصين على توسيع نطاق الاستخدام الدولي لعملتها باعتبارها بديلاً آمناً للدولار. واكتسبت المساعي الصينية زخماً أقوى في أعقاب الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، بخاصة بعد أن لاقت الدعوة الصينية هوى في نفوس واحدة من أقوى حلفاء أمريكا الآسيويين وهي كوريا الجنوبية التي سعت في عام 2010 إلى توسيع شبكة الأمان المالي الدولي، عبر الاعتماد على خطوط دائمة لتبادل العملات، ولكن الولايات المتحدة أجهضت الفكرة في مهدها، واعترض رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في ذلك الوقت بن برنانكي على الاقتراح، مؤكداً أن توفير خدمات دائمة إلى الأسواق المالية ليس مهمة المجموعة. وتشمل قائمة التحديات التي يتعين على الصين مواجهتها في العام المقبل في إطار رئاستها لمجموعة العشرين، كيفية التعامل مع احتمالات إقدام مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي على رفع سعر الفائدة الأمريكية وهي خطوة يمكن أن تؤدي إلى تراجع قوي في عملات الدول النامية، نتيجة توجه رؤوس الأموال إلى الأصول الدولارية التي تدر عائداً أعلى. وسيتعين على الصين أثناء رئاستها للمجموعة أن تقرر ما إذا كانت ستمدد آجال وحدة احتياط بقيمة 250 مليار دولار أصدرتها في عام 2009 لتعزيز السيولة أثناء الأزمة المالية العالمية. التنين يتولى القيادة من الخلف يوفر تولي كوريا الجنوبية وفرنسا لمهمة رئاسة الفريق المكلف بصياغة اقتراحات إصلاح النظام المالي العالمي، الفرصة لتنأى بنفسها عن المهمة، خصوصاً في ظل سلسلة الإخفاقات الدولية في وقف الأزمات المالية المتكررة التي ضربت الاقتصاد العالمي منذ تأسيس مجموعة العشرين في عام 1999. وترى الدول الأعضاء في المجموعة أن مقترحات الإصلاح يجب أن تشمل أيضاً الحد من تقلبات انتقال التدفقات الرأسمالية عبر الحدود، والاتفاق على طريقة لإعادة هيكلة الديون السيادية، وتعزيز دور نظام وحدات السحب الخاصة التابعة لصندوق النقد الدولي. ثقة المستثمرين الحكم في صراع اليوان والدولار على الرغم من الجهود الصينية لتحقيق التزامن بين جهود إصلاح الاقتصاد الصيني في الداخل وجهود إصلاح النظام المالي العالمي، إلا أن العالم ينظر بعين الشك إلى أداء الصين، بخاصة بعدما اضطرت الحكومة الصينية إلى التدخل في شهر أغسطس الماضي لوقف انهيار البورصات التي محت أكثر من خمسة تريلليونات دولار في أيام معدودة، وإقدام البنك المركزي الصيني على تخفيض قيمة العملة لتحفيز نمو الاقتصاد، والتي أسفرت عن دوامة من الأزمات في الأسواق العالمية. ويؤكد البروفيسور روبرت البير أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة شيكاغو أن الأداء ضيق الأفق للحكومة الصينية في التعامل مع أزمة البورصات بدد أي ثقة لدي المستثمرين يمكن التعويل عليها لشراء أوراق مالية مقومة باليوان. ويرى روبرت أن الأثر الإيجابي لرئاسة الصين لمجموعة العشرين وانضمام اليوان لنظام حقوق وحدات السحب الخاصة يتواضع أمام التأثير السلبي للأداء ضيق الأفق للحكومة الصينية في التعامل مع أزمة البورصات. وتأتي رئاسة الصين لمجموعة العشرين في أعقاب قرار صندوق النقد الدولي بأن اليوان الصيني استوفى جميع شروط الانضمام إلى سلة عملات الاحتياط الدولية. ويرى الخبير الاقتصادي في مؤسسة التنمية والتعاون الاقتصادي ويليام وايت أن انضمام اليوان لسلة العملات الدولية في حد ذاته لا يعني أن اليوان حل محل الدولار باعتباره عملة احتياط دولية مفضلة. ويؤكد ويليام أن حدوث ذلك يقتضي تعرض العالم لأزمة مالية عالمية طاحنة تثبت أن جذورها نابعة من قلب النظام المالي الحالي المستند على الدولار. الصين تعز ز زعامتها للساحة العالمية بعد نصف عقد من الزمن، لاحت الفرصة أمام الرئيس الصيني شي جين بينغ لوضع بصمته على المجموعة، التي تضم أكبر الأسواق المتقدمة والناشئة والتي أنشئت بالأساس في التسعينات للبحث عن حلول للأزمة المالية الآسيوية والتصدي للمخاطر الهيكلية. ويؤكد البروفيسور يون صن الأستاذ المساعد في برنامج شرق آسيا في مركز ستيمسون في واشنطون أن الصين التي تسعى إلى اقتناص كل فرصة دولية من أجل تعزيز مكانتها وزعامتها على الساحة العالمية، تنظر إلى رئاستها لمجموعة العشرين باعتبارها فرصة نادرة لصياغة أجندة الاقتصاد العالمي. ويرى صن أن الصين صاحبة مصلحة أكثر من أي وقت مضى للمحافظة على الاستقرار المالي العالمي، بخاصة في ظل خطة بكين لتخفيف القيود على تدفقات الرأسمالية العابرة للحدود، وهي من أهم الخطوات التي تعتزم الصين تطبيقها لإقناع العالم باستخدام اليوان كعملة احتياط دولية، وإعطاء الأسواق دوراً أكثر بروزاً. الصين ترأس مجلس إدارة العالم تولت الصين في عام 2005 رئاسة مجموعة العشرين للمرة الأولى، وفي ذلك الوقت كان الاقتصاد الصيني يحتل المرتبة الخامسة بين الاقتصاديات العالمية، ومنذ عام 2005 استطاع الاقتصاد الصيني أن يقفز إلى المرتبة الثانية عالمياً متجاوزاً بذلك الاقتصاد البريطاني والألماني والياباني. وتضم مجموعة العشرين كل من الأرجنتين وأستراليا والبرازيل وكندا والصين وفرنسا وألمانيا والهند وإندونيسيا وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية والمكسيك وروسيا والسعودية وجنوب أفريقيا وتركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
#بلا_حدود